1900


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


لما تأيمت عائشة بنت طلحة ت 110هــ كانت تقيم بمكة سنة وبالمدينة سنة ، وتخرج إلى مال عظيم لها بالطائف وقصر كان لها هناك فتتنزه فيه وتجلس بالعشيات فيتناضل بين يديها الرماة ، فمرَّ بها النميري الشاعر وهو محمد بن عبد الله الثقفي (غير نميري نجد) فسألت عنه فنسب لها ، فقالت ائتوني به ، فأتوها به فقالت له : أنشدني مما قلت في (زينب بنت يوسف أخت الحجاج) فامتنع عليها وقال : تلك ابنة عمي وقد صارت عظاماً بالية ، أقسمت عليك فأنشدها قوله :

تضوع مسكاً بطن نعمان إذ مشت =  به زينب في نسوة عطرات
تهادين ما بين المحصب من منى =  وأقبلن لاشعثاً ولا غبرات
أعان الذي فوق السموات عرشه =  مواشي بالبطحاء مؤتجرات
مررن بفخ ثم رحن عشية =  يلبين للرحمن معتمرات
يخبئن أطراف البنان من التقى =  ويقتلن بالالحاظ مقتدرات
تقسمن لُبي يوم نعمام إنني =  رأيت فؤادي عارم النظرات
جلون وجوها لم تلحها سمائم =  حرور ولم يسعفن بالسبرات
ولما رأت ركب النميري راعها =  وكن من أن يلقينه حذرات
فأدنين حتى جاوز الركب دونها =  حجاباً من القسي والحبرات
فكدت اشتياقاً نحوها وصبابة =  تقطع أنفاسي إثرها حسرات
فراجعت نفسي والحفيظة بعدها =  بللت رداء العصب بالعبرات

فقالت : والله ما قلت إلا جميلاً ، ولا ذكرت إلا كرماً وطيباً ولا وصفت إلا ديناً وتقى ! أعطوه ألف درهم . فلما كانت الجمعة الأخرى ، تعرض لها فقالت : علي به ، فأحضر ، فقالت له : أنشدني من شعرك في زينب فقال لها : أو أنشدك من شعر الحارث بن خالد فيك ؟ فوثب مواليها إليه ، فقالت : دعوه فإنه أراد أن يستقيد (بثأر) لبنت عمه ، هات مما قال الحارث فأنشدها :

ظعن الأمير بأحسن الخلق =  وغدا بلبك مطلع الشرق
في البيت ذي الحسب الرفيع ومن = أهل التقى والبر والصدق
ما صبحت أحداً برؤيتها =  إلا غدا بكواكب الطلق

فقالت : والله ما ذكر إلا جميلاً ، ذكر أني إذا أصبحت زوجي بوجهي غدا بكواكب الطلق وأني غدوت مع أمير تزوجني إلى الشرق (زوجها مصعب بن الزبير) وإني أحسن الخلق في البيت ذي الحسب الرفيع ، أعطوه ألف درهم وأكسوه حلتين ، قولوا له ولا تعد لا تأتينا بعد هذا يا نميري .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.