1902


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال ابن أبي الأبيض : أتيت أبا العتاهية فقلت له : إني رجل أقول الشعر في الزهد ، ولي فيه أشعار كثيرة ، وهو مذهب أستحسنه لأني أرجو ألا آثم فيه ، وسمعت شعرك في هذا المعنى ، فأحببت أن أستزيد منه ، فأحب أن تنشدني من جيد ما قلت فقال : اعلم أن ما قلته ردئ قلت : وكيف ! قال : لأن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين أمثل شعر بشار وابن هرمة فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على الجمهور من الناس مثل شعري ، ولا سيما التي في الزهد ، فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك ولا من مذاهب رواة الشعر ولا طلاب الغريب ، وهو مذهب اشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه ، فقلت : صدقت ثم أنشدني قصيدته :

لدوا للموت وابنو للخراب =  فكلكم يصير إلى تباب
ألا يا موت لم أرمنك أبداً =  أتيت وما تحيف ولا تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبي =  كما هجم المشيب على شبابي

قال فصرت إلى أبي نواس فأعلمته ما دار بيننا فقال : والله ما أحسب في شعره مثل ما أنشدك بيتاً لآخر ، فصرت إليه فأخبرته بقول أبي نواس فأنشد في قصيدته التي يقول فيها :

طول التعاشر بين الناس مملول =  ما لابن آدم إن فتشت معقول
ياراعي الشاء لا تغفل رعايتها =  فأنت عن كل ما استرعيت مسئول
إني لفي منزل ما زلت أعمره =  على يقين بأني عنه منقول
وليس في موضع يأتيه ذو نفس =  إلا وللموت سيف فيه مسلول
لم يشغل الموت عنا مذ أعدلنا =  وكلنا عنه باللذات مشغول
ومن يمت فهو مقطوع ومجتنب =  والحي ما عاش مغشي وموصول
كل ما بدالك فالآكل فانية =  وكل ذي أكل لابد مأكول


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.