1906


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال حماد ميسرة الراوية: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك ، فكان هشام يجفوني لذلك دون سائر أهله من بني أمية في أيام يزيد فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من أخواني سراً ، فلما لم اسمع أحداً يذكرني سنة ، أمنت فخرجت فصليت الجمعة ، ثم جلست عند باب الفيل ، فإذا شرطيان قد وقفا عليَّ فقالا لي : يا حماد أجب الأمير سيف بن عمر فقلت في نفسي : من هذا كنت أحذر ، ثم قلت للشرطيين : هل لكما أن تدعاني آتي أهلي فأودعهم وداع من لا ينصرف إليهم أبداً ثم أصير معكما إليه ؟ فقالا : ما إلى ذلك سبيل فاستسلمت في أيديهما وصرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان ، فسلمت عليه فرد علي السلام ، ورمى إلي كتاباً فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر أما بعد فإذا قرأت كتابي فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به غير مروع ولا متعتع وادفع إلي خمس مئة دينار وجملاً مهرياً يسير عليه اثني عشرة ليلة إلى دمشق فأخذت الخمس مئة دينار ونظرت فإذا الجمل مرحول (عليه الرحل وهو شداد) فوضعت رجلي في الغرز (ركاب الرحل) وسرت اثنتي عشر ليلة حتى وافيت باب هشام فاستأذنت فأذن لي ، فدخلت عليه في دار قوراء (واسعة) مفروشة بالرخام وهو في مجلس مفروش بالرخام وبين كل رخامتين قضيب من ذهب وحيطانه كذلك ثياب خز حمر وقد تضمخ بالمسك والعنبر ، وبين يديه مسك مفتوت في أواني من ذهب يقبله بيده فتفوح زوائحه فسلمت فرد علي ، واستدناني فدنوت حتى قبلت رجله ، وإذا جاريتان لم ارقبلهما مثلهما ، في أذني كل واحدة منهما حلقتان من ذهب فيهما لؤلؤتان متقدتان فقال لي : كيف أن يا حماد ؟ فقلت بخير يا أمير المؤمنين ، فقال : أتدري فيم بعثت إليك ؟ قلت : لا ، قال : بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر من قائله قلت وما هو ؟ قال :

فدعو بالصبوح يوماً فجاءت =  قينة في يمينه إبريق

قلت هذا يقوله عدي بن زيد العبادي في قصيدة له ، قال : أنشدنيها فأنشدته :

بكر العاذلون في وضح الصبح =  يقولون لي الاتستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد الله =  والقلب عنكم مرهوق
لست أدري إذا أكثروا العذل عندي =  أعدو يلومني أم صديق
زانها حسنها وفرع عميم =  وأثيث صلت الجبين أنيق
وترينا مفلجات عذاب =  لا قصار ترى ولا هن روق
فدعوا بالصباح يوماً فجاءت =  قينة في يمينها إبريق

إلى آخر القصيدة . فطرب هشام ثم قال : أحسنت يا حماد ، سل حوائجك فقلت كائنة ما كانت ؟ قال : نعم ، قلت : احدى الجاريتين ، قال : هما لك وما لهما ، حتى إذا أصبحت فإذا الجاريتين عند رأسي وإذا عدة من الخدم مع كل منهم بدرة فقال لي أحدهم : أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك خذ هذه فانتفع فأخذتها والجاريتين وانصرفت .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.