1907


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال ابراهيم بن محمد المهدي (أخو هارون الرشيد لأبيه وكان أسود حالك اللون فصيح اللسان واسع الصدر سخي الكف حاذقاً بصنتعه الغناء توفي عام 224 هـ) حججت مع الرشيد فبينما نحن في الطريق وقد انفردت أسير وحدي وأنا على دابتي إذ حملتني عيناي (أي نعست) فسلكت بي الدابة غير الطريق فانتبهت وأنا على غير الجادة ، فاشتد بي الحر ، فعطشت عطشاً شديداً فارتفع إليَّ خباء فقصدته، فإذا بقبة وبجانبها بئر ماء بقرب مزرعة ، وذلك بين مكة والمدينة ولم أر بها إنسياً فاطلعت في القبة فإذا بأسود نائم فأحس بي ففتح عينيه ثم استوى جالساً ، فإذا هو عظيم الصورة ، فقلت : يا أسود استقني من هذا الماء فقال : إن كنت عطشان فانزل واشرب وكان تحتي برذوت (الدابة) خبيث نفور ، فخشيت أن أنزل عنه فينفر ، فضربت رأس البرذون وما نفعني الغناء إلا ذلك اليوم ، وذلك أني رفعت عقيرتي وغنيت فرفع الأسود رأسه إلي وقال : أيما أحب إليك أن أسقيك ماء لوحده أو ماء وسويقا ، قلت : الماء والسويق (السويق ما يتخذ من الحنطة والشعير على هيئة دقيق) فاخرج قعباله (القعب القدح) فصب السويق في القدح فساقني وأقبل يضرب بيده على رأسه وصدره ويقول : واحر صدراه ! يا مولاي زدني ، وأنا أزيدك وشربت السويق ثم قال لي : يا مولاي إن بينك وبين الطريق أميالاً ، ولست أشك أنك  تعطش ، لكني أملأ قربتي هذه وأحملها قدامك فقلت أفعل فملأ قربته وسار قدامي وهو يحجل في مشيته غير خارج الإيقاع ، فإذا أمسكت لأستريح أقبل علي فقال : يا مولاي عطشت فأغنيه إلى أن أوقفني على الجادة ، ثم قال لي : سر رعاك الله ، ولا سلبك ما كساك من النعم بكلام عجمي معناه هذا الدعاء فحلقت بالقافلة والرشيد قد فقدني وقد بث الخيل في طلبي فسر بي حين رآني فأتيته فقصصت عليه الأمر فقال : على بالأسود فما كان إلا هنيهة حتى مثل بين يديه فقال له ويلك ! ما مر صدرك ؟ فقال يا مولاي ميمونة ؟ قال حبشية يا مولاي فأمر من يستفهمه ، فإذا الأسود عبد لبني جعفر الطيار ، وإذا السوداء التي يهواها لقوم من ولد الحسن بن علي فأمر الرشيد بابتياعها له ، فأبى مواليها أن يقبلوا لها ثمناً ووهبوها للرشيد فاشترى الأسود وأعتقه وزوجه منها ووهب له عمالة بالمدينة حديقتين وثلاثمائة دينار . وقريب من هذه النهاية ما جرى للأمير محمد بن عبد الله الرشيد حين سمع أحد رجاله يغني في محبوبته وعند العودة من الغزو زوجه إياه في قصة بإحدى فقرات الجزء الثالث .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.