1913


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كانت ليلى من بني الحريش وهي ليلى بنت مهدي بن سعيد بن مهدي بن ربيعة بن الحريش وكانت من أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن جسماً وعقلاً وأفضلهن أدباً وأملحهن شكلاً وكان المجنون كلفاً بمحادثة النساء صبابهن ، فبلغه خبرها ونعتت له ، فصبا إليها وعزم على زيارتها فتأهب لذلك ولبس أفضل ثيابه ورجَّل جُمَّته (مشط شعر رأسه) ومس طيباً كان عنده وارتحل ناقة له كريمة برحل حسن (الرحل الشداد) وتقلد سيفه فسلم فردت عليه السلام وتحفَّت في المسألة (بالغت في ملاطفته والسؤال عنه) وجلس إليها فحادثته وحادثها فأكثرا وكل واحد مقبل على صاحبه معجب به ، فلم يزالا كذلك حتى أمسيا فانصرف إلى أهله فبات بأطول توله شوقاً إليها حتى إذا أصبح عاد إليها فلم يزل عندها حتى أمسى ثم انصرف إلى أهله فبات بأطول من ليلته الأولى واجتهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك فقال :

نهاري نهار الناس حتى إذا بدا =  لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى =  ويجمعني والهم بالليل جامع
لقد ثبتت في القلب منك مودة = كما ثبتت في الراحتين الأصابع

وأدام زيارتها وترك من كان يأتيه فيتحدث إليه غيرها وكان يأتيها في كل يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع حتى إذا أمسى انصرف فخرج ذات يوم يريد زيارتها فلما قرب من منزلها لقيته جارية عسراء فتطير منها وقال :

وكيف يرحى وصل ليلى وقد جرى =  بجد القوى والوصل أعسر حاسر
صديع العصا صعب المرام إذا انتحى = لوصل امرئ جدت عليه الأوامر

ثم سار إليها في غد فحدثها لقصته وطيرته ممن لقيه وأنه يخاف تغير عهدها وانتكاثه وبكى ، فقالت : لا ترع حاشا لله من تغير عهدي لا يكون والله لا أبدا إن شاء الله, فلم يزل عندها يحدثها بقية يومه ووقع لع في قلبها مثل ما وقع في قلبه فجاءها يوماً كما كان يجيئ واقبل يحدثها فأعرضت عنه وأقبلت على غيره بحديثها , تريد بذلك محنته وأن تعلم مافي قلبه , فلما رأى ذلك جزع جزعاً شديداً حتى بان في وجهه وعرف فيه و فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمسرة إليه فقالت :

كلان مظهر للناس بغضاً =  وكل عند صاحبه مكين

فسري عنه وعلم ما في قلبها و فقالت له : إنما أردت أن أمتحنك والذي لك عندي اكثر من الذي لي عندك وأعطي الله عهداً إن جالست بعد يومي هذا رجلاً سواك حتى أذوق الموت إلا ان أكره على ذلك فانصرفت عنه وهو اشد الناس سرواً واقرهم عيناً فقال :

أظن هواها تاركي بمضلة =  من الأرض لا مال لدي ولا أهل
ولا أحد أفضي إليه وصيتي =  ولا صاحب إلا المطية والرحل
محاحبها حب الأولى كن قلبها = وحلت مكانا لم يكن حل من قبل


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.