1916


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال أبو عبيدة : بينما سعيد بن العاص يعشي الناس بالمدينة والناس يخرجون أولاً أولاً ، نظر على بساطه إلى رجل قبيح المنظر رث الهيئة جالس مع أصحاب سمره فذهب الشرط يقيمونه فأبى أن يقوم وحانت من سعيد التفاتة فقال : دعوا الرجل فتركوه ، وخاضوا في أحاديث العرب وأشعارها ملياً ، فقال لهم الحطيئة : والله ما أصبتم جيد الشعر ولا شاعر العرب ، فقال له سعيد : أتعرف من ذلك شيئاً ؟ قال : نعم قال : فمن شعر العرب ؟ قال : الذي يقول :

لا أعد الافتقار عدما ولكن =  فقد من قدر زئته الأعلام

وأنشدها حتى أتى عليها ، فقال له : من يقولها ؟ قال : أبو دؤاد الأيادي ، قال ثم من ؟ قال الذي يقول :

أفلح بما شئت فقد يدرك =  بالجهل وقد يخدع الأريب

ثم أنشدها حتى فرع منها ، قال : ومن يقولها ؟ قال : عبيد بن الأبرص ، قال : ثم من ؟ قال والله لحسبك إليَّ رغبة أو رهبة ، إذا رفعت احدى رجلي على الأخرى ثم عويت في أثر القوا في عواء الفصيل الصادي قال : ومن أنت ؟ قال : الحطيئة فرحب به سعيد ثم قال : أسأت بكتمانك نفسك منذ الليلة ، ووصله وكساه ، ومضى بوجهه إلى عتيبة بن النهاش فسأله فقال : ما أنا على عمل فأعطيك من عدده ، ولا في مالي فضل عن قومي ، قال له : فلا عليك فانصرف فقال له بعض قومه : لقد عرضتنا ونفسك للشر ! قال : كيف ؟ قالوا : هذا الحطيئة هو ها جينا أخبث هجاء ، فقال : ردوه فردوه إليه فقال : لم كتمتنا نفسك كأنك تطلب العلل علينا ! اجلس فلك عندنا ما يسرك فجلس فقال له : من أشعر الناس ؟ قال الذي يقول :

ومن يجعل المعروف من دون عرضه =  يفوه ومن لا يتقى الشتم يشتم

فقال له عتبة : إن هذا من مقدمات أفاعيلك ، ثم قال لوكيله : اذهب معه إلى السوق فلا يطلب شيئاً إلا اشتريته له ، فجعل يعرض عليه الخز ورقيق الثياب فلا يريدها ، ويومي إلى الكرابيس (ثياب قطن خشنة) والأكسية الغلاظ فيشتريها له حتى قضى أربه ثم مضى ، فلما جلس عتيبة في نادي قومه أقبل الحطيئة فلما رآه عنيبة قال : هذا مقام العائذ بك يا أبا مليكة من خيرك وشرك قال : قد كنت بيتين فاستمعهما ثم أنشد بقول :

سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلاً =  فسيان لاذم عليك ولا حمد
وأنت امرؤ لا لجود منك سجية =  فتعطي ولا يعدي على النائل الوجد

ثم ركض فرسه فذهب .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.