1917


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال اسماعيل المختار حدثني نصيب بن رياح أبو محجن قال : خرجت أنا وكثير عزة والأحوص غب يوم أمطرت فيه السماء فقلت : هل لكم في أن نركب جميعاً فنسير حتى نأتي العقيق فتمتع فيه أبصارنا ؟ قالوا : نعم ، فركبوا أفضل ما يركبون عليه من الدواب ولبسوا أجسن ما يقدرون عليه من الثياب وتنكروا ثم ساروا حتى أتو العقيق فجعلوا يتصفحون ويرون بعض ما يشتهون حتى رفع لهم سواد عظيم فأموه حتى أتوه ، فإذا وصائف ورجال من الموالي ونساء بارزات شخصيات فسألهم أن ينزلوا فاستحبوا أن يجيبوهن من أول وهلة فقالوا : لا نستطيع أو نمضي في حاجة لنا ، فحلفنهم أن يرجعوا إليهن ففعلوا وأتوهن فسألنهم النزول فنزلوا ودخلت امرأة من النساء . فاستأذنت لهم ، فلم تلبث ن جاءت المرأة فقالت : ادخلوا فدخلنا على امرأة جميلة برزة (تفوق أقرانها) على فرش لها ، فرحبت وحيت ، وإذا كراسي موضوعة فجلسنا جميعاً في صف واحد ، كل إنسان على كرسي فقالت : إن أحببتم أن تدعوا بصبي لنا فنصيحة ونعرك أذنه فعلنا وإن شئتم بدأنا بالغداء فعلنا بل تدعين بالصبي ولن يفوتنا الغداء فأومأت بيدها إلى بعض الخدم فلم يكن إلا كلا ولا حتى جاءت جارية جميلة قد سترت بمطرق فأمسكوه عليها حتى ذهب بهرها (هدأ روعها) ثم كشف عنها وإذا هي جارية ذات جمال قريبة من جمال مولاتها فرحبت بهم وحيتهم فقالت لها مولاتها : خذي ويحك ! من قول نصيب عافى الله أبا محجن :

ألا هل من البين المفرق من بد =  وهل مثل أيام بمنقطع السعد
تمنيت أيامي أولئك والمنى =  على عهد عاد ما تعيد ولا تبدي

فغنيته ، فجاءت به كأحسن ما سمعته قط بأحلى لفظ وأشجى صوت ، ثم قالت لها : خذي أيضاً من قول أبي محجن عافى الله أبا محجن :

أراق المحل وعاده سهره =  لطوارق الهم التي ترده
وذكرت من رقت له كبدي =  وأبي فليس ترق لي كبده
لا قوه قومي ولا بلدي =  فتكون حيناً جيرة بلده
ووجدت وجداً لم يكن أحد =  قبلى من أجل صبابة يجده
إلا ابن عجلان الذي تبلت = هند ففات بنفسه كمده

قال فجاءت به أحسن من الأول ، فكدت أطير سروراً ثم قالت لها : ويحك ! خذي من قول أبي مجحن عافى الله أبا مجحن :

فيا لك من ليل تمتعت طوله =  وهل طائف من نائم متمتع
نعم إن ذا شجو متى يلق شجره =  ولو نائماً مستعتب أو مودع
له حاجة قد طالما قد أسرها =  من الناس في صدر بها يتصدع
تحملها طول الزمان لعلها = يكون لها يوماً من الدهر منزع
وقد قرعت في أم عمرو لي العصا =  قديماً كما كانت لدى الحلم تقرع

قال : فجاءت والله بشئ حيرني وإذ هلني طرباً لحسن الغناء وسرور باختيارها الغناء من شعري وما سمعت فيه من حسن الصنعة وجودتها وإحكامهما ، ثم قالت لهما : خذي أيضاً من قول أبي مجحن عافى الله أبا مجحن :

يا أيها الركب إني غير تابعكم =  حتى تلموا وأنتم لي تلمونا
فلم أر مثلكم ركباً لشكلكم =  يدعوهم ذو هوى إلا يعوجونا
أم أخبروني عن دائي بعلمكم =  وأعلم الناس بالداء الأطبونا

قال نصيب : فو الله لقد زهوت بما سمعت زهو خُيِّل إليَّ أني من قريش وأن الخلافة لي ، ثم قالت : حسبك يا بنية ، هات الطعام يا غلام فوثب الأحرص وكثير وقالا : والله لا نطعم لك طعاماً ، ولا نجلس لك في مجلس فقد أسأت عشرتنا ، واستخففت بنا ، وقدمت شعر هذا على أشعارنا واستمعت الغناء فيه ، وإن في أشعارنا لما يفضل شعره ، وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا فقالت على معرفة كل مكان مني فأي شعركما أفضل من شعره ؟ أقولك يا أحوص .

يقر بعيني ما يقر بعينها =  وأحسن شيء ما به النفس قرت

أم قولك يا كثير في عزة :

وما حسبت ضمرية جدوية =  سوى التيس ذي القرنين كان لها بعلاً

أم قولك فيها :

إذا ضمرية عطست……. =  فإن عطاسها طرف السفاد

قال فخرجا مغضبين واحتبستني فتغديت عندها وأمرت لي بثلاثمئة دينار وحلتين وطيب ثم دفعت إلي مشة دينار وقالت : ادفعها إلى صاحبيك ، فإن قبلاها وإلا فهي لك فأتيتهما في منازلهما فأخبرتهما القصة ، فأما الأحوص فقبلها ، وأما كثير فلم يقبلها وقال : لعن الله صاحبتك وجائزتها ولعنك معها ، وأخذتها فانصرفت فسألت نصيب : ممن المرأة ، فقال : من بني أمية ولا أذكر اسمها ما حييت لأجد .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.