1919


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال أبو رحانة عبد الملك بن مروان : كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوساً عاماً للناس ، فبينما هو جالس في مستشرف له (مجلس مرتفع) وقد أدخلت عليه القصص ، إذ وقعت في يده قصة فيها : إن رأى أمير المؤمنين أن جاريته فلانة أن تغنيني ثلاثة أصوات ثم ينفذ فيَّ ما يشاء من حكمه فاستشاط من ذلك غضباً وقال : يا رباح علي بصاحب هذه القصة ! فخرج الناس جميعاً وأدخل عليه غلام من أجمل الفتيان وأحسنهم فقال له عبد الملك : يا غلام أهذه قصتك ! قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : وما الذي غرك مني ؟ والله لأمثلن بك ! ولأرعن بك نظراءك من أهل الجسارة ! ثم قال : عليَّ بالجارية فجيء بها كأنها فلقة قمر ! وبيدها عودها ، فطرح لها كرسي فجلست فقال عبد الملك : مرها يا غلام فقال لها : غنيني يا جارية بشعر قيس بن ذريح :

لقد كنت حسب النفس لو كان ودنا = ولكنما الدنيا متاع غرور
وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى =  بأنعم حال غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا = بطون الهوى مقلوبة لظهور

فغنت فخرج الغلام بجميع ما عليه من الثياب تخريقاً ثم قال له عبد الملك مرها تغيك الصوت الثاني فقال غنيني بشعر جميل :

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة =  بوادي القرى ؟ إني إذا لسعيد
وإن قلت ما بي يا بثينة قاتلي =  من الحب ! قالت ثابت ويزيد
وإن قالت ردي بعض عقلي أعش به = مع الناس ! قالت ذاك منك بعيد
فلا أنا مردود بما جئت طالباً =  ولا حبها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها =  ويحيا إذا فارقتها فيعوود

فغنت الجارية فسقط مغشياً عليه ساعة ، ثم افاق ، فقال عبد الملك ، مرها تغني الصوت الثالث ، فقال يا جارية غنيني شعر قيس بن الملوح :

وفي الجيرة الغادين بطن وجرة =  غوال غضيض المقتلين ربيب
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى =  ولكن من تنأين عنه غريب

فغنته الجارية ، فطرح الغلام نفسه من المستشرف فلم يصل إلى الأرض حتى تقطع فقال عبد الملك : ويحه ! لقد عجل على نفسه وكان تقديمه فيه غير الذي فعل ! أمر فأخرجت الجارية من قصره ثم سألوه عن الغلام فقالوا : غريب لا يعرف إلا أنه منذ ثلاثة سنوات ينادي في الأسواق ويده على راسه وهو يردد :

غداً يكثر الباكون منا ومنكم =  وتزداد داري عن دياركم بعدا


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.