1922


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان تميم بن جميل الدوسي قد أقام بشاطئ الفرات واجتمع إليه كثير من الأعراب ، فعظم أمره ، وبعد ذكره ، فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه فتبدد جمعه ، وظفر به فحمله موثقاً إلى المعتصم قال أحمد بن أبي دواد : ما رأيت رجلاً عاين الموت ، فما هاله ولا شغله عما كان يجب عليه أن يفعله إلا تميم بن جميل ، فإنه لما مثل بين يدي المعتصم وأحضر السيف والنطع ووقف بينهما تأمله المعتصم وكان جميلاً وسيماً ، فأحب أن يعلم أين لسانه من منظره فقال : تكلم يا تميم ، فقال : أما إذا أذنت لي يا أمير المؤمنين ، فأنا أقول الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين ، ولمّ بك شعث المسلمين ، وأضوح بك سبل الحق ، وأحمد بك شهاب الباطل إن الذنوب تخرس الألسن الفصيحة ، وتعمى الأفئدة الصحيحة ، وقد عظمت الجريرة ، وانقطعت الحجة ، وساء الظن فلم يبق إلا عفوك ، وانتقامك ، وأرجو أن يكون أقربها مني وأسرعهما إليّ أشبهها بك وأولاهما بكرمك ثم قال :

أرى الموت بين السيف والنطع كامنا = يلاحظني من حيثما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي =  وأي امرئ مما قضى الله يفلت
وما جزعي من أن أموت وإنني =  لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم = وأكبادهم من حسرة تتفتت
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة =  أذود الردى عنهم وإن مت موتوا
وكم قائل لا يبعد الله داره =  وآخر جذلان يسر ويشمت

فابتسم المعتصم وقال : يا جنيل قد وهبتك للصبية ، وغفرت لك الصبوة ، ثم أمر بفك قيوده ، وخلع عليه ، وعقد له وولاه على شاطئ الفرات .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.