1923


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


حيوانان أحدهما أصير الحيوانات ما وسعه الصبر والثاني من أوفى الحيوانات ما أتيح له الوفاء ، ومع ذلك فالإنسان حسب علمي في الجزيرة العربية وغيرها لا يستخدم اسميهما إلا للنَّبز والاستنقاص والقذف والعيارة وهما : الحمار والكلب ، فعند المشادة الكلاميه والشتم والملاعنه تجد الشخص يصف خصمه بأحد هذين الحيوانين إما بالحمار أو بالكلب أو بكليهما ، وهذا ظلم فادح واعتبار مجحف لهذين الحيوانين الصبور القوي ، الذلول المطيع أو الوفي المخلص ، فلو استعملوا بدلهما الخنزير النتن النجس أو الدب الغدار المفترس لكان أولى ، ولكن هاتين الكلمتين باسم هذين الحيوانين قد خفتا على ألسنة الناس وصاروا يستعملونها في الاتهام والشتيمة والقذف دون وجه حق وقد أوردت في كتاب فتافيت ثلاث قصص عن وفاء الكلب لإنقاذ بعض الرجال منها موقف أنقذ صاحبه من موت محقق بين براثين النمر والثاني أنقذ الفريق الذي كان عندهم من هجوم لصوص أو (حنشل) والثالث إنقاذ حياة صاحبه من موت أكيد وإنقاذ غنمه وغير ذلك كثير مما يعرفه غيري من الناس ، أما الحمار فطالما خدم الإنسان خدمة جلى فقبل السيارات كان هو بمنزلة يدي الإنسان ورجلية ، يتنقل عليه في المدينة والقرية والبادية يسافر عليه من قرية إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية يذهب عليه للبراري والقفار لمختلف الأغراض يصاحب رعيه الغنم ويستخدمه الحضر في خدمات عديدة من نقل الطين والأخشاب لبناء البيوت وأعمال الفلاحة ونقل الحبوب والتمور وغيرها والتجار ينقلون عليه تجارتهم وبضائعهم فهو بمنزلة السيارة الصغيرة الآن التي ينتقل عليها الإنسان لأغراضه وأهدافه ، ويذهب عليها لعمله ويعود منه وغير ذلك كثير ، وقد حاولت استنطاق الحمار بقصيدة طويلة فأجابني بقوله :

في شهقه مجرورة =  كادت تقضقض أضلعه
في زفرة موتورة = تضطرني أن أسمعه

وقال :

أين الوفا يا صاحبي ؟ =  أين المروءة والسعة
أنسيت فضلي هكذا ؟ =  وأضعتني في المضيعة
تحتل ظهري سابحا !! =  تختال فوق البردعه!!
أجري فأهزأ بالنسيم =  بزفة متذعذعه
وأخب أستبق السراب =  على خطاي المسرعة
فلكم طويت بحافري =  تلك السهول الموسعة

إلى أن قال :

في سفرة أو نعجة = في نزهة ما أمتعه
قد كنت (جيب) المقترين =  لنقلهم والمنفعة
وكنت (بنز) الموسرين =  على النعومة والدعة
واليوم قلت قيمتي = وهلكت وسط المعمعة

ثم يصب جام غضبه على السيارة التي ألغت دوره في الحياة بقوله :

وأرى عدوي مسرعاً = أف له ما أسرعه
فيكاد يفقأ ناظري =  تباً له ما أشنعه
مستهزءاً بعواطفي = يمد نحوي إصبعه

ثم يتوعد الإنسان إن عاد إليه مرة ثانية طالباً عونه عندما تتعطل سيارته :

ولئن أتيت منادياً =  في لحظة متوقعة
لا نفط جوف مطيتي = ونياطها متقطعة
سأصم سمعي عن نداك =  فلن أصيخ وأسمعه

والقصيدة كاملة 55 بيتاً في ديواني (هواجس) .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.