1926


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال اسماعيل بن جامع السهمي : ضمني الدهر ضماً شديداً بمكة (أي ضيق على) فانتقلت منها بعيالي إلى المدينة ، فأصبحت يوماً وما أملك إلا ثلاثة دراهم ، فهي في كمي وإذا بجارية حميراء على رقبتها جرة تريد الركي (البئر) تسعى بين يدي وتترنم بصوت شجي فتقول :

شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا =  فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
وذاك لأن النوم يغشى عيونهم =  سراعا وما يغشى لنا النوم أعينا
إذا ما دنا الليل المضر لذي الهوى =  جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما =  نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا

قال : فأخذ الغناء بقلبي ، فلم يدر لي منه حرف ، فقلت : يا جارية ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك ! فلو شئت أعدت ، قالت : حباً وكرامة ، ثم سندت ظهرها على جدار قرب منها ورفعت احدى رجليها على الأخرى ووضعت الجرة على ساقيها ، ثم انبعثت تغنيه ، فوالله ما دار لي منه حرف ، فقلت : أحسنت ، فلو شئت أعدتيه مرة أخرى ، ففطنت وقالت : ما أعجب أمركم ! أحدكم لا يزال يجيء الجارية عليها الضريبة فيشغلها ! فضربت بيدي إلى ثلاثة دراهم فدفعتها إليها ، فقلت : أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي فأخذتها كالكراهة وقالت : أنت الآن تريد أن تأمني صوتاً أحبك ستأخذ به ألف دينار وألف دينار وألف دينار ، قال وانبعثت تغني فأعملت فكري في غنائها حتى دار لي الصوت وفهمته ، وانصرفت مسروراً إلى منزلي أردده حتى خف على لساني ثم إني خرجت أريد بغداد فدخلتها ، فنزل بي المكاري على باب محول (محلة في بغداد) فبقيت لا أدري أين أتوجه ، ولا من أقصد ، فذهبت أمشي مع الناس ، حتى أتيت الجسر فعبرت معهم حتى انتهيت إلى شارع المدينة ، فرأيت مسجداً بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعاً ، فقلت مسجد قوم سراة ، فدخلته وحضرت صلاة المغرب وأقمت بمكاني حتى صليت العشاء الآخرة على جوع وتعب ، وانصرف أهل المسجد وبقي رجل يصلي ، خلفه جماعة خدم وخول ينتظرون فراغه فصلي ملياً ثم انصرف فرآني فقال : أحسبك غريباً ؟ قلت : أجل ، قال : فمتى كنت في هذه المدينة؟ قلت : دخلتها آنفاً ، وليس لي بها منزلاً ولا معرفة ، وليست صناعتي من الصنائع التي يمت بها أهل الخير ، قال : وما صناعتك ؟ قلت : أتغنى ، فوثب مبادراً ووكل بي بعض من معه ، فسألت الموكل بي عنه فقال : هذا سلام الأبرش ، وإذا رسول جاء في طلبي فانتهى بي إلى قصر من قصور الخلافة ، وجاوزني مقصورة إلى مقصور ، ثم أدخلت مقصورة في آخر الدهليز ، ودعا بطعام فأتيت بمائدة عليها من طعام الملوك ، فأكلت حتى امتلأت ، فإني لكذلك إذا سمعت ركضاً في الدهليز وقائلاً يقول : أين الرجل ؟ قيل هو ذا ، قال : ادعوا له بغسول وخلعة وطيب ففعل ذلك بي حملت على دابة إلى دار الخلافة فعرفتها بالحرس والتكبير والنيران ، فجاوزت مقاصير عدة ، حتى صرت إلى دار قوراء (واسعة) فيها أسرة في وسطها قد اضيف بعضها إلى بعض فأمرني الرجل بالصعود فصعدت ، وإذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في حجرهن العيدان وفي حجر الرجل عود ، فرحب بي الرجل وإذا مجالس حياله كان فيها قوم قد قاموا عنها ، فلم البث أن خرج خادم من وراء الستر فقال للرجل : تغن فانبعث يغني بصوت لي وهو :

بم تمش ميلاً ولم تركب على قتب =  ولم تر الشمس إلا دونها الكلل
تمشي الهوين كأن الريح ترجعها =  مشي اليعافير في جبآتها الوهل

فغنى بغير إصابة وأوتار مختلفة ودساتين مختلة (الدساتين الرباطات) ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تلي الرجل فقال لها تغني فغنت أيضاً بصوت لي كانت فيه أحسن حالاً من الرجل وهو يقول :

يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها = إلا الظباء وإلا الناشط الفرد
أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا = وطار عن قلبي التشواق والكمد

وتوقعت مجيء الخادم إليَّ وقلت للرجل : بأبي أنت ! خذ العود فشد وتر كذا ، وارفع الطبقة ، وحط دستان كذا ، ففعل ما أمرته به فخرج الخادم وقال : تغن عافاك الله ، فتغنيت بصوت الرجل الأول على ما غناه ، فقال مجموعة الخدم : ويحك ! لمن هذا الغناء ؟ قلت لي فانصرفوا وخرج الخادم وقال : كذبت ، هذا الغناء لابن جامع ، فقلت : أنا اسماعيل بن جامع !! ثم خرج أمير المؤمنين وجعفر بن يحي ، فلما صعد أمير المؤمنين على السرير وثبت قائماً فسلمت عليه .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.