1935


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


روى محمد بن الفضل عن أبيه قال : كنت أتردد إلى زينب بنت سليما بن علي بن عبد الله بن عباس وأخدمها ، فتوجهت إلى خدمتها يوماً فقالت : أقعد حتى أحدثك حديثاً كان بالأمس يكتب على الآفاق ، كنت بالأمس عند الخيزران (زوج المهدي وأم موسى الهادي وهارون الرشيد) ومن يقصدنا في كل وقت فيجلس قليلاً ثم ينهض ، وفيما نحن كذلك ، إذ دخلت علينا جارية من جواريها فقالت : أعز الله السيدة ! بالباب امرأة ذات جمال وخلقة حسنة ، وليس وراء ما هي عليه من سوء الحال غاية ، تستأذن عليك ، وقد سألتها عن اسمها فامتنعت أن تخبرني ، فالتفتت إليَّ الخيزران وقالت : ما ترين ؟ فقلت : أدخليها ، فإنه لا بد من فائدة أو ثواب فدخلت امرأة من أجمل النساء التي لا تتوارى بشيء (أي شبه عارية) فوقفت بجنب عضادة الباب ، ثم سلمت متضائلة ، ثم قالت : أنا مزنة بنت مروان بن محمد الأموي ، فقالت الخيزران ، لا حياك الله ولا قربك ! فالحمد لله الذي أزال نعمتك وهتك سترك وأذلَّك ! أتذكرين يا عدوة الله حين أتاك عجائز أهل بيتي يسألنك أن تكلمي صاحبك في الأذن في دفن ابراهيم بن محمد فوثبت عليهن وأسمعتيهن ما لا سمعن قبل وأمرت فأخرجن على الحالة التي أخرجن عليها ؟ فضحكت مزنة ، فما أنسى حسن ثغرها وعلو صوتها بالقهقهة ثم قالت : يا ابنة العم ، أي شيء أعجبك في صنع الله بي على العقوق حتى أردت أن تتأسي به ! فوالله إني فعلت بنسائك ما فعلت ، فأسلمني الله لك ذليلة جائعة عريانة ، وكان ذلك مقدار شكرك الله تعالى على ما أولادك فيَّ ! ثم قالت : السلام عليكم ثم ولت مسرعة ، فصاحت الخيزران ، فرجعت قالت زينب : فنهضت إليها الخيزران لتعانقها ، فقالت : ليس فيَّ لذلك موضع مع الحال التي أنا عليها ، فقالت الخيزران : الحمام إذاً ، وأمرت جماعة من جواريها بالدخول معها في الحمام فدخلت وطلبن ماشطة ترمي ما على وجهها من الشعر ، فلما خرجت من الحمام وافتها بالخلع والطيب ، فأخذت من الثياب ما أرادت ثم تطيبت ثم خرجت إلينا ، فعانقتها الخيرزان وأجلستها في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي ، ثم قالت الخيزران : هل لك في الطعم ؟ قالت : والله ما فيكن أحوج مني إليه ، فجعلوه فأتي بالمائدة فجعلت تأكل غير محتشمة إلي أن أكتف ثم غسلنا أيدينا ، فقالت لها الخيزران : من وراءك ممن تعنين به ؟ فقالت ما خارج هذه الدار من بيني وبينه سبب ، فقالت : إذا كان الأمر هكذا فقومي حتى تختاري لنفسك مقصورة من مقاصيرنا ، وتحولي ما تحتاجين إليه ، ثم لا نفترق إلى الموت ، فقامت ودارت ف المقاصير فاختارت أوسعها وأنزهها ، ولم تبرح حتى تحولت إليها جميع ما تحتاج إليه من الفرش والكسوة قالت زينب ثم تركناها وخرجنا عنها ، فقالت الخيزران : هذه المرأة قد كانت فيما كانت فيه ، وقد مسها الضر ، وليس يغسل مافي قلبها إلا المال ، فاحملوا إليها خمس مئة ألف درهم ، فحملت إليها ، وفي غضون ذلك وافى المهدي (جاء) فسألنا عن الخبر ، فحدثته الخيزران حديثها وما لقيتها به ، فوثب مغضباً ، وقال للخيزران : هذا مقدار شكر الله على أنعمه ، وقد مكنك من هذه المرأة مع الحالة التي هي عليها ! فوالله لولا محلك في قلبي لحفلت ألا أكلمك أبداً ! فقالت الخزيران : يا أمير المؤمنين قد اعتذرت إليها ورضيت وفعلت كذا وكذا ، فلما علم المهدي ذلك قال لخادم كان معه : احمل إليها مئة بدرة (البدرة كيس من النقود) وادخل إليها وبلغها مني السلام ، وقل لها : والله ما سررت في عمري كسروري اليوم وقد أوجب على أمير المؤمنين إكرامك ، ولولا أنه يكره احتشامك (خجلك) لحضر إليك مسلماً عليك وقاضياً لحقك ، فمضى الخادم بالمال والرسالة فأقبلت على الفور فسلمت على المهدي بالخلافة وشكرت صنيعه وبالغت بالثناء على الخيزران عنده ، وقالت : ما على أمير المؤمنين حشمة أنا في عدد حرمه ، ثم قامت إلى منزلها فخلفتها عند الخيزران وهي تتصرف في المنازل والجواري تصرف الخيزران .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.