1945


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال حماد الراوية : أتيت مكة فجلست في حلقة منها فيها عمر بن أبي ربيعة القرشي وإذا هم يتذاكرون العذريين وعشقهم وصبابتهم فقال عمر : أحدثكم عن بعض ذلك ، كان لي خليل من قبيلة عذرة يكنى أبا مسهر وكان مستهتراً بأحاديث النساء يثبوا بهن وينشد فيهن على أنه لا كان عاهر الخلوة ولا حديث السلوة كان يوافي الموسم في كل سنة فإذا أبطأ ترجمت له الأخبار واستوقفت له الأسفار وأنه راث (تأخر) عني سنة من ذلك خبرة حتى قدم وفد عذرة فأتيت القوم أنشد صاحبي فإذا رجل يتنفس الصعداء قال أعن أبي مسهر تسأل ؟ قلت : نعم ، قال هيهات هيهات أصبح والله أبو مسهر لا حيا فيرجى ولا ميتاً فينسى ولكنه كما قال الشاعر :

لعمرك ما حبي لأسماء تاركي =  صحيحاً ولا أقضي به فأموت

فقلت وما الذي به ؟ قال : كمثل الذي بك من أنهما ككما في الضلال وجركما أذيال الخسارة ، كأنكما لم تسمعا بجنة ولا نار ، قلت فما أنت منه يا بن أخي ؟ قال : أخوه ، قلت : والله إنك وأخاك كالوشي والبجاد لا يرقعك ولا ترقعه ثم انطلقت وأنا أقول :

أرائحة حجاج عذرة روحة =  ولما يرح في القوم قيس بن مهجع
خليلي يشكو ما لاقي من الهوى =  ومهما يقل أسمع وإن قلت يسمع
ألا ليت شعري أي شيء اصابه =  أمن زفرات هجن من بين أضلع
فلا يبعدنك الله خلاً فإنني =  سألقي كما لاقيت في الحب مصرعي

قال : فلما حججت ووقفت بعرفات إذا به قد أقبل ، وقد تغير لونه وساءت هيئته ، وما عرفته إلا بناقته فأقبل فأدنى ناقته من ناقتي حتى خالف بين أعناقهما ثم اعتنقني وجعل يبكي فقلت له : ما الذي دهاك ؟ قال : برح الخفاء وكشف الغطاء ثم أنشد يقول :

لئن كانت عديلة ذات مطل =  لقد علمت بأن الحب داء
وأنك لو تكلفت الذي بي =  لزال الظلم وانكشف الغطاء
فإن معاشري ورجال قومي =  حتوفهم الصبابة واللقاء
إذا العذري مات بحتف أنف =  فذاك العبد يبكيه الرشاء

فقلت يا أبا مسهر إنها ساعة عظيمة تضرب فيها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها فلو دعوت الله كنت قمناً أن تظفر بحاجتك وتنتصر على عدوك فجعل يدعو حتى مالت الشمس للغروب وهم الناس أن يفضوا سمعته يهينم بشيء فأصغيت إليه مستمعاً فجعل يقول :

يا رب كل غدوة وروحه =  من محرم يشكو الصبا ونوحه

أنت حسبي الخلق يوم الدوحة


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.