1948


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان بين غسان بن عبادة وبين علي بن عيسى القمِّي عداوة عظيمة ، وكان علي بن عيسى ضامناً أعمال الخراج والضياع ببلده ، فبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينار ، فألح المأمون عليه بطلبها إلى أن قال لعلي بن صالح الحاجب أمهله ثلاثة أيام فإن أحضر المال وإلا فاضربه السياط حتى يؤدي المال أو يتلف فانصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيساً من نفسه وهو لا يدري وجهاً يتجه إليه فقال له كاتبه : لو عرجت على غسان بن عبادة وعرفته خبرك لرجوت أن يعينك على أمرك فقال له : على ما بيني وبينه من العداوة ؟! فقال : نعم فإن الرجل أريحي كريم ، فدخل على غسان فقام إليه وتلقاه بالجميل وأوفها حقه بالخدمة وقال له : الحال الذي بيني وبينك على حاله ، ولكن دخولك داري له حرمة توجب بلوغ ما رجوته مني فاذكر إن كان لك حاجة فقص عليه القصة فقال : أرجو أن يكفيك الله تعالى  ولم يزده على ذلك شيئاً فنهض علي بن عيسى وخرج آيساً نادماً على قصده غسان وقال لكاتبه ما أفدتني بالدخول على غسان غير تعجيل الشماتة والهوان فلم يصل علي بن عيسة إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه البغال عليها المال وبلغه سلامه وقال : حضر المال فتقدم وسلِّمه وبكر إلى دار أمير المؤمنين ، فوجد غسان قد سبقه إليها ، ودخل على المأمون وقال : يا أمير المؤمنين  إن لعلي بن عيسى بحضرتك حرمة وخدمة وسالف أصل وقد لحقه من الخسران في ضمانه ما قد تعارفه الناس وقد توعدته بضرب السياط بما أطار عقله وأذهب لبه فإن رأى أمير المؤمنين أن يجزيني على حسن كرمه ببعض ما عليه فهي صنيعة يجددها علي ، تحرس ما تقدمها من إحسانه ولم يزل يتلطف إلى أن حط عنه النصف واقتصر على عشرين ألف دينار ، فقال غسان على أن يجدد عليه أمير المؤمنين الضمان ويشرفه بخلعة تقوى نفسه وترهف عزمه ويعرف بها مكان الرضا عنه فأجابه المأمون على ذلك قال : أفيأذن أمير المؤمنين أن أحمل الدواة إلى حضرته ليوقع بما رآه من هذا الإنعام ؟ قال : أفعل فحمل الدواة إلى أمير المؤمنين فوقع بذلك وخرج على بن عيسى بالخلعة والتوقيع بيده فلما حضر إلى داره حمل من المال عشرين ألف دينار وأسريها إلى غسان وشكره على جميع ما فعله معه ، فقال غسان لكاتبه : والله ما شفعت عند أمير المؤمنين إلا لتوفر عليه ، وينتفع بها ، فأمض بها فلما ردها كاتبه إلى علي بن عيسى علم قدر ما فعله معه فلم يزل يخدمه إلى آخر العمر .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.