1950


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان أبو الأسود الدؤلي قد أسن وكبر وكان مع ذلك يركب بغلة إلى المسجد والسوق ويزور أصدقائه فقال له رجل : يا أبا الأسود أراك تكثر الركوب وقد ضعفت عن الحركة وكبرت ، فلو لزمت منزلك كان أودع لك ، فقال له أبو الأسود : صدقت ولكن الركوب يشد أعضائي وأسمع من أخبار الناس ما لا أسمعه ببيتي واستنشي الريح ، وألقي أخواني ولو جلست في بيتي لاغتم بي أهلي وأنس بي الصبي واجترأ  على الخادم ، ولكني من أهلي من يخاب كلامي لإلفهم إياي وجلوسهم عندي حتى لعل العنز أن تبول علي فلا يقول لها أحد هس وكان طريق أبي الأسود الدؤلي إلى المسجد والسوق في بني تيم الله بن ثعلبة وكان منهم رجل متفحش يكثر الاستهزاء بمن يمر به فمر به أبو الأسود يوماً فقال لقومه : كأن وجه أبي الأسود وجه عجوز راحت إلى أهلها بطلاق فضحك القوم وأعرض عنهم أبو الأسود ثم مرَّ به مرة أخرى فقال لهم : كن غضون قفا أبي الأسود غضون الفقاح (جمع فقحة وهي حلقة الدبر) فأقبل عليه أبو الأسود وقال له : هل تعرف فقحة أمك فيهن ؟ فأفحمه وضحك القوم منه وقاموا إلى أبي الأسود فاعتذروا إليه مما كان ولم يعادوه الرجل بعد ذلك وقال فيه أبو الأسود حين رجع إلى أهله :

وأهوج ملجاج تصاممت قبله =  أن أسمعه وما بسمعي من باس
فإن لساني ليس أهون وقعه =  وأصغر آثار من النحت بالفاس
وذي احنة لم يبدها غير أنه =  كذي الخبل تأبى نفسه غير وسواس
صفحت له صفحاً جميلاً كصفحه =  وعيني وما يدري عليه وأحراسي
وعندي له إن فار فوار صدره =  فحاجبلي  لا يعاوده الحاسي
وحب لحوم الناس كثر زاده =  كثير الخنا صعب المحالة هماس
تركت له لحمي وأبقيت لحمه =  لمن نابه من حاضر  الجن والناس
فكرَّ قليلاً ثم صدَّ كأنه =  يعض بصم من صفا جبل راسي


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.