1951


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قيل لمعاوية بن أبي سفيان : إن بالحيرة رجل من بني جرهم ، قد عمر ورأى الأعاجيب فقال معاوية : عليَّ به ، فلما حضر قال : ممن الرجل ؟ قال عبيد بن شريه ، قال : ثم ممن ؟ قال : من قوم لم يبق منهم بقية ، قال : فكم مضى من عمرك ؟ قال : أخبرني بأعجب ما رأيت في عمرك قال : نعم يا أمير المؤمنين ، كنت في حي من أحياء العرب فمات عندهم ميت يقال له عُشر بن لبيد العذري (وقيل جبلة بن حويرث بن جبلة) فمشيت في جنازته وتأسيت بجماعته ، فلما دفن في قبره وأعول النساء في أثره ، أدركتني عليه عبرة ولم أستطع ردها وتمثلت بأبيات كنت سمعتها قديماً وعلق الآن على خاطري منها هذه الأبيات:

يا قلب إنك من أسماء مغرور =  فاذكر وهل ينفنك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد = حتى جرت لك إطلاقاً محاضير
فلست تدري ولا ندري أعاجلها =  أدنى لرشد أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيراً وأرضين به = فبينما العسر إذ درات مباسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط =  إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه =  وذو قرابته في الحي مسرور
وذاك آخر عهد من أخيك إذا = ما المرء ضمنه اللحد الخناسير

فينما أنا أردد هذه الأبيات وعيناي تنسكبان إذ قال لي رجل إلى جبني من عذرة : يا عبد الله هل تعرف قائل هذا الشعر ؟ قلت لا والله ، قال : قائله هذا الميت الذي دفناه وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولا تعرفه ، ولا تعلم أنه قائل هذه الأبيات وذو قرابته الذي ذكرته مسرور هو ذاك ، وأشار إلى رجل في الجماعة ، فرأيته لا يستطيع كتمان ما هو عليه من المسرة . فقال معاوية : يا أخاجرهم ، سل ما شئت قال : ما مضى من عمري ترده ، والأجل إذا حضر تدفعه ، قال : ليس ذلك لي سل غيره ، قال : يا أمير المؤمنين : ليس إليك الدنيا فترد شبابي ولا الآخرة فتكرم مآبي ، أما المال فقد أخذت منه في عنفواني ما كفاني قال : لابد أن تسألني قال : أماذا شئت فأمر لي برغيفين أتغدى أحدهما وأتعشى بالآخر ، واتق الله ، وأعلم أنك مفارق ما أنت فيه وقادم على ما قدمت فأمر له معاوية بأشياء وحطه وغيرها فردها وقال : إن أعطيت المسلمين كلهم مثلها أعطيتني وإلا فلا حاجة لي في ذلك ثم ودعه وانصرف .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.