1953


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كتب عبد الملك بن مروان إنه ليس شيء من لذة الدنيا إلا وصد أصبت منه ، ولم يكن عندي شيء ألذه إلا مناقلة الأخوان للحديث ، وقبلك عامر الشعبي فابعث به إلي يحدثني فدعا الحجاج الشعبي فجهزه وبعث به إليه وقرظه وأطراه في كتابه (قرظة أثنى عليه) فخرج الشعبي حتى إذا كان بباب عبد الملك قال للحاجب : استأذن قال : من أنت ؟ قال : أنا عامر الشعبي ، قال : حياك الله ! ثم نهض فأجلسني على كرسيه فلم يلبث أن خرج عليَّ فقال أدخل يرحمك الله ، فدخلت فإذا عبد الملك جالس على كرسي وبين يديه رجل أبيض الرأس واللحية (يريد شعر الرأس) على كرسي فسلمت فرد علي السلام ثم أومأ إلي بقضيبه فقعدت عن يساره ثم أقبل على الذي بين يديه فقال : ويحك ! من أشعر الناس ؟ قال أنا يا أمير المؤمنين ، قال الشعبي فأظلم عليَّ ما بيني وبين عبد الملك فلم أصبر أن قلت : ومن هذا يا أمير المؤمنين الذي يزعم أنه أشعر الناس ؟! فعجب الملك من عجلتي قبل أن يسألني عن حالي قال : هذا الأخطل ، فقلت : يا أخط : أشعر والله منك الذي يقول :

هذا غلام حسن وجهه =  مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الأكبر والحارث الأ =  صغر والأعرج خير الأنام
ثم لهند ولهند فقد =  أسرع في الخيرات منه إمام
خمسة آباء وهم ما هم = هم خير من يشرب صوب الغمام

فرددتها حتى حفظها عبد الملك ، فقال الأخطل من هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : هذا الشعبي فقال : صدق والله يا أمير المؤمنين ، النابغة والله أشعر مني ، قال الشعبي : ثم أقبل علي فقال : كيف أنت يا شعبي ؟ فقلت : بخير يا أمير المؤمنين فلا زلت له ، ثم ذهبت لأضع معاذ يري ، لما كان من خلافي على الحجاج مع الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فقال : مه ، إنا لا نحتاج إلى هذا المنطق  ولا تراه منافي قول أو فعل حتى تفارقنا ، ثم أقبل علي فقال : ما تقول في النابغة ؟ قلت : يا أمير المؤمنين  قد فضله عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في غير موطن على الشعراء أجمعين ، وببابه وفد غطفان ، فقال : يا معشر غطفان أي شعرائكم الذي يقول :

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة = وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانة =  لبلغك الواشي أغش وأكذب
ولست بمستبق أخاً لا تلمه =  على شعث أي الرجال المهذب

قالوا : النابغة يا أمير المؤمنين ، قال فأيكم الذي يقول :

فإنك كالليل الذي هو مدركي =  وإن خلت أن المنتأي عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة =  تشد بها أيدٍ إليك نوازع

قالوا : النابغة ، قال فأيكم الذي يقول :

إلى ابن محرق أعملت نفسي = وراحلتي وقد هدت العيون
أتيتك عارياً خلقا ثيابي =  على خوف تظن بي الظنون
فألفيت الأمانة لم تخنها =  كذلك كان نوح لا يخون

قالوا : النابغة يا أمير المؤمنين ، قال : هذا أشعر شعرائكم ، ثم أقبل على الأخطل فقال : أتحسب أن لك قياضاً بشعرك إلا أنني وددت أن كنت قلت أبيات قالها رجل منا ، كان والله ما علمت مغدف القناع ، قليل السماع ، قصير الذراع ، قال : وما قال ؟  فأنشد فقصيدته :

أنا ميحوك فأسلم أيها الطلل =  وإن بليت وإن طالت بك الطيل
ليس الجديد به تبقى بشاشته =  إلا قليلاً ولا ذو خلة يصل
والعيش لا عيش إلا ما تقربه =  عين ولا حال إلا سوف تنتقل
والناس من يلق خيراً قائلون له =  ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
قد ردم المتأني بعض حاجته =  وقد يكون مع المستعجل الزلل

حتى أتى على آخرها .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.