1956


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان المنصور (أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني) قد طلب معن بن زائدة الشيباني طلباً شديداً وجعل فيه مالاً (جائزة لمن يأتيه به) فحدث معن بن زائدة باليمن أنه اضطر لشدة الطلب إلى أن أقام في الشمس حتى لوحت وجهه ، وخفف عاضيه ولحيته ، ولبس جبة صوف غليظة ، وركب جملاً من النقالة ليمضي إلى البادية فيقيم بها ، وكان قد أبلى في حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بلاءاً حسناً غاظ المنصور وجد متقلداً في طلبه ، قال معن : فلما خرجت من باب حرب في اليمن تبعني أسود متقلداً سيفاً ، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام جملي فأناخه وقبض عليَّ ، فقلت له : مالك ؟ قال  : أنت طلبة أمير المؤمنين ، قلت : ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين ! قال : دع هذا عنك ، فأنا والله أعرف به منك ، فقلت له : فإن كانت القصة كما تقول : فهذا جوهر جملته معي بإضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي ، فخذه ولا تسفك دمي ، قال : هات ، فأخرجته إليه ، فنظر إليه ساعة ، وقال : صدقت في قيمته ، ولست قابله حتى أسألك عن شيء فإن صدقتني طلقتك ، قلت : قل ، قال : إن الناس قد وصفوك بالجود ، فأخبرني هل وهبن قط مالك كله ؟ قلت : لا ، قال : فنصفه ؟ قلت : لا ، قال : فثلثه ؟ قلت : لا حتى بلغ العُشر فاستحييت فقلت : أظن أني فعلت هذا فقال : ما أراك فعلته ! أنا والله ورزقي من أبي جعفر (مرتبي) عشرون درهماً ،  وهذا الجوهر قيمته آلاف الدنانير ، وقد وهبته لك ، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور عند الناس ، ولتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك فلا تعجبك نفسك ، وبتحقرن بعد هذا كل شيء تفعله ، ولا تتوقف عن مكرمة ، ثم رمى بالعقد في حجري وخلى خطام البعير وانصرف ، فقلت : يا هذا قد والله فضحتني ، ولسفك دمي أهون علي مما فعلت فخذ ما دفعته إليك فإني غني عنه ، فضحك وقال : أردت أن تكذبني في مقامي هذا والله لا آخذه ولا آخذ بمعروف ثمناً أبداً ، ومضى فوالله لو طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جائني به ما شاء فما عرفت له خبراً وكأن الأرض ابتلعته .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.