1974


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


ورد أبو النجم العجلي على هشام بن عبد الملك في الشعراء فقال لهم هشام صفوا لي إبلاً ، فقطروها وأوردوها وأصدروها حتى كأن أنظر إليها فأنشدوه وأنشد أبو النجم قصيدته التي مطلعها :

الحمد لله الوهوب المجزل

حتى بلغ إلى ذكر الشمس فقال : وهي على الآفق كعين وأراد أن يقول : (الأحول) ثم ذكر حولة هشام فلم يتم البيت وارتج فقال هشام : أجز البيت فقال : (كعين الأحوال) وأتم القصيدة فأمر هشام فوجئ عنقه وأخرج من الرصافة وقال لصاحب شرطته يا ربيع إياك وأن أرى هذا ! فكلم وجوه الناس صاحب الشرطة أن يقره ففعل ، فكان يصيب من فضول أطعمة الناس ويأوى إلى المسجد ، قال أبو النجم : لم يكن أحد بالرصافة يضيفني إلا سليمان بن كيسان الكلبي وعمرو بن بسطام التغلبي ، فكنت آتي سليمان فأتغدى عنده ، وآتي عمراً فأتعشى عنده وآتي المسجد فأبيت فيه قال : فاهتم هشام ليلة ، وأمسى لقس النفس (متكدر) وأراد محدثاً يحدثه فقال لخادم له : أبغني محدثاً أعرابياً أهوج يروي الشعر فخرج الخادم إلى المسجد فإذا هو بأبي النجم فضرب برجله وقال له : قم أجب أمير المؤمنين ، قال : إني رجل أعرابي غريب ، قال : إياك أبغي ، فهل تروي الشعر ؟ قال : نعم وأقوله : فأقبل به حتى أدخله القصر وأغلق الباب فأيقن بالشر ، ثم مضى به فأدخله على هشام في بيت صخر ، بينه وبين نسائه ستر رقيق والشمع بين يديه تزهر ، فلما دخل قال له هشام : أبو النجم ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين طريدك ، قال : اجلس فسأله وقال : أين تأوي ومن كان ينزلك ؟ فأخبره الخبر ، قال : وكيف اجتمعا بك ؟ قال : كنت أتغدى عند هذا وأتعشى عند هذا قال : وأبن كنت تبيت ؟ قال : في المسجد حيث وجدني رسولك ، قال : ومالك من الولد والمال؟ أما الدليل فلا مال لي ، وأما الولد فلي ثلاث بنات وبني يقال له شيبان فقال :

أوصيت من برة قلبا حرا =  بالكلب خيراً وبالحماة شراً
لا تسأمي ضربً لها وجراً = حتى ترى حلو الحياة مراً
وإن كستك ذهباً ودرا = والحي عميهم بشر طرا

فضحك هشام وقال : فما قلت للأخرى ؟ قال : قلت :

سبي الحماة وابتهي عليها =  وإن دنت فازدلفي إليها
وأوجعي بالفهر ركبتيها =  ومرفقيها واضربي جنبيها
وظاهري النذر لها عليها =  لا تخبر الدهر بها ابنتيها

فضحك هشام حتى بدت نواجذه وسقط على قفاه ، فقال : ويحك ! ما هذه وصية يعقوب لولده ! قال : وما أنا كيعقوب يا أمير المؤمنين ، قال : فما قلت للثالثة ؟ قال : قلت :

أوصيك يا بنتي فإني ذاهب =  أوصيك أن تحتدك القرائب
والجار والضيف الكريم الساغب =  لا يرجع المسكين وهو خائب
ولاتني أخفارك السلاهب = منهن في وجه الحماة كاتب
والزوج إن الزوج بئس الصاحب

قال : كيف قلت لها هذا ولم تتزوج ؟ وأي شيء قلت لها في تأخير تزويجها ؟ قال : قلت فيها :

كأن طلامة أخت شيبان =  يتيمة ووالدها حيان
الرأس قمل كلع وصئبان = وليس في الساقين إلا خيطان
تلك التي يفزع منها الشيطان

فضحك هشام حتى ضحك النساء لضحكه وقال للخصي : كم بقي من نفقتك ؟ قال : ثلاثمائة دينار ، قال : أعطيه إياها ليجعلها في رجلي طلامة مكان الخيطين .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.