1982


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


طوق الحمامة مثلاً لما يلزم ولا يبرح ويقيم ويستديم قال الجاحظ : قد أطلق العرب والأعراب والشعراء على الحمامة هي التي كانت دليل نوح ورائده ، وهي التي استعجلت عليه الطريق (طلبت جعلاً أي جائزة) عليه الطوق الذي في عنقها ، وعند ذلك أعطاها الله تلك الزينة في عنقها ، ومنحها الله تلك الحلية بدعاء نوح عليه السلام ، جحين رجعت إليه ومعها من الكرم ما معها ، وفي رجلها من الطين والحمأة ما فيها ، فعوضت عن ذلك خضاب الرجلين ، ومن حسن الدلالة والطاعة طوق العنق وفيها يقول ابن أبي الصلت :

وأرسلت الحمامة بعد سبع =  تدل على المهالك لا تهاب
فعادت بعدما ركضت بشيء =  من الأمواه والطين الكباب
فلما فتشوا الايات صاغوا =  لها طوقاً كما عقد السخاب
إذا ماتت تورثه بنيها =  وإن قتلت فليس له استقلاب

وقال جهم بن خلف وهو أحسن ما وصف به الطوق :

وقد شاقني صوت قمرية =  طروب الغناء هتوف الضحى
مطوقة كسيت زينة =  بدعوة مرسلها إذ دعا

والعرب تسمى القماري ، واليمام ، والفواخت ، والدباسي ، والشغانين ، والوراشين ، وما جانسها كلها حماماً فجمعوها بالاسم العام وفرقوها بالاسم الخاص ، ورأينا صورها متشابهة من جهة التزاوج ومن طرق الغناء والدعاء والنوح ، وكذلك هي في القدور وصور الأعناق وقصب الريش وصيفة الرؤوس والأرجل والسوق والبراثن وقد أكثر الشعراء في طوق الحمامة والتمثيل به قال الفرزدق :

ومن يك خائف لأذاة شعري =  فقد أمن الهجاء بنو حرام
هم منعوا سفيههم وخافوا =  قلائد مثل أطواق الحمام

وقال ابراهيم بن علي بن هرمة :

إني امرؤ لا أصوغ الحلى تعمله =  كفاي لكن لساني صائغ الكلم
إني إذا ما امرؤ خفت نعامته    في الجهل واستحصدت منه قوى الأدم
عقدت في متلوى أوداج لبته =  طوق الحمامة لا يبلى على القدم

وقال الباهلي :

نهاني أن أطيل الشعر قصدي =  إلى المعنى وعلمي بالصواب
وأبعثهن أربعة وخمساً =  بألفاظ مثقفة عذاب
وهن إذا وسمت بهن قوماً =  كأطواق الحمامة في الرقاب

وقال المتنبي :

قامت في الرقاب له إياد =  هي الأطواق والناس الحمام

ومن أمثال العرب : طوق طوق الحمامة أي تقلدها تقليداً باقياً بقاء طوق الحمامة إلى يوم القيامة (1) .


(1) الجزء الخامس ص 1927 – رقم الفقرة 1848 .

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.