1988


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


أصاب الناس سنة جدب شديد هلكت فيه أغلب المواشي وخاصة في البادية فلم يبق لديهم أي شيء يرحلون عليه فحملوا الأشياء الضرورية جداً والخفيفة من أمتعتهم على كواهلهم ونزلوا إلى القرى والمدن في مثل هذه المجاميع المنهكة ، أقبل فرحان وزوجته التي مضى لها معه بضع سنين ولم ينجبا ، وفي طريقهما إلى المدينة الذي قطعاه على مراحل سيراً على الأقدام اعترضت لهما عجوز مسنة يهتز رأسها من الكبر ومعها بنت لها قد بلغت سن الزواج فتعلقت العجوز بفرحان على أن تصحبهما هي وابنتها إلى المدينة حيث أعدت الحكومة مضيفاً للناس الهلكى تقدم لكل فرد أو مجموعة وجبتين في اليوم غداء وعشاء يحضر الإنسان إناءه ويملأ له من الطعام فيأخذه لمكان إقامته ، وهكذا كل يوم ، والتزم فرحان بالتزام العجوز وبنتها يسير مسيرها ولما كانت الفتاة في أول شبابها أعجبته فقال لأمها ما رأيك لو زوجتيني فلاناً بدلاً من أن أتعورها في كل لحظة ، تكون زوجة لي ثانية ويرتفع الحرج عني وعنها ، فوافقت الأم والبنت وعرجوا في طريقهم على قرية وقصدوا خطيب المسجد وعقد القران لفرحان على البنت ثم استمروا في طريقهم نحو المدينة ثم نزلوا برحة قرب مكان الضيافة لعدة أيام فرأت البنت الزوجة الثانية عصر ذلك اليوم ظهر جذور على صينية كبيرة والسنام قائم لم يمس لعدم نضجه فقالت لزوجها فرحان عندما حل المساء يا فرحان اذهب إلى ذلك السنام واقطعه من أساسه وأحضره إلينا ، فقال : وماذاتريدين به ؟ فقالت : أحضره واترك أمره إلي فذهب وأحضر السنام وما تحته من فقرة الظهر ، فأخذوا من أسفل لحمه الذي لم ينضج واشتووا وتلحموا ثم ذهبت إلى أحد البيوت في المدينة واستعارت منهم قدرين وقطعت في أحدهما الشحم قطعاً صغيرة ثم أوقدت النار وبدأت(تخلعه) تذيب الشحم إلى ودك ملأت منه القدر الثاني وأواني كانت معهم أخرجت (حميمه أو خليعه) أعية الشحم وأكلوا منها وأخذوا شيئاً وفي الصباح طلبت من فرحان أن يحمل الودك وحملت معه الخليعة إلى السوق فباعه بستة ريالات فضية للودك وثلاثة ريالات فضة للخليع فصار مع فرحان تسعة ريالات فقالت له زوجته : اذهب إلى السوق واشتر لك حماراً فذهب واشترى فقال له : هذا الحطب متوفر غير بعيد عنا فاذهب وحمل الحمار من الحطب وبعه بالمدينة فأحضر حمل الحمار من الحطب وصار يبيعه ما بين ريالين وثلاثة ريالات وأقل من ذلك وأكثر حسب العرض والطلب ولم يمض أسبوع إلا وقد توفر لديهم شيئاً من النقود اشتروا به بيتاً صغيراً من الشعر ونصبوه بعيداً نوعاً ما عن زحمة الناس ، واستتروا فيه ، ولم يمض شهر إلا وقد توفر لديهم قيمة جمل ، فاشترى جملاً يحتطب عليه واتفق مع رفيق له أن يحتطب على الحمار بالمناصفة وهو يحتطب على الجمل ، ولم يمض شهران إلا تحسنت أحوالهم فاشترت لهما ولضرتها مغزلان وكمية من الصوف وصارت كل واحدة منهن تغزل الصوف وتبيعه خيوطاً أو تنسجان منه منسوجات يبعنها وتشريان بالثمن صوفها ويغزلان وهكذا دواليك ، وأصبح لهذا البيت دخلاً من حصيلة الحطب وحصيلة الغزل والنسيج وأصل هذه الثروة التي كونتها إرادة تلك المرأة أساسها من سنام الشحم حين أحسنت المرأة فيه التصرف وأثرت الأسرة ثراء ملحوظاً حتى انتهت الأزمة وعاد نزول الغيث وأخصيت الناس فعادوا إلى وضعهم الأول بأحسن حال .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.