1992


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قرأت مقالة قصيرة للكاتب السوداني جعفر عباس في جردة اليوم بتاريخ 3 /12 /1433 هـ بعنوان (الأطرش والمطنش) وموضوعها عن حكاية الضفادع التي اعتزمت الصمود إلى سقف بناية شاهقة بينما وقف جمهور حاشد من المتفرجين يضحك استخفافاً بالضفادع وجهدها ويصيح فيهم الوصول إلى الطابق الأول وكيف أن الآلاف منها فشلت في تلك المهمة بينما ظل ضفدع صغير يقفز متجاهلاً عبارات الاستخفاف والشماتة حتى وصل إلى قمة النهاية واتضح أن الضفدع البطل الذي حقق ما لم يحققه ضفدع من قبل كان فاقد القدرة على السمع (أطرش) وهكذا كانت عاهته نعمة له لأنه لم يسمع الكلام المحبط والمثبط الذي كان يصدر من المشاهدين وركز على جهده في تحقيق غايته وهي الوصول إلى أعلى نقطة في البناية العالية والشاهد في هذه الحكاية على أنه من يريد النجاح في أمر ما فما عليه إلا أن يسد أذنيه كي لا يسمع كلام الشامتين أو من يشككون في قدراته أو بعبارة أخرى (طنش) الكلام المحيط والمثبط طالما أنك مصمم على تحقيق غاية تعتبرها مهمة مهما بدت صعبة المنال ، وحتى في المدرسة قد تجد مدرساً يشكك في قدراتك الذهنية ويحرص على تذكيرك بأنك حمار وحتى تثبت أنك لست غبياً (اعمل حالك أطرش) واجتهد في دروسك ولو أعار (ألبرت أينشتاين) ملاحظات مدرسته حوله أنتباهى لما صار العالم الذي غير وجه الرياضيات والفيزياء فقد كانت تكتب في تقاريره أنه تلميذ خامل الذكاء ولا رجاء فيه ، وأعرف أن العديد من الشبان والشابات ذوي القدرات الواعدة في مجال الكتابة والأدب يتعرضون للتجاهل والاستخفاف من قبل الكبار الذين يلجأون إليهم طالبين النصح والتوجيه والمساعدة في (النشر) ففي السودان موسيقي ومطرب اسمه محمد وردي وكان في صدر الشباب يحب أغنيات مطرب صاعد اسمه ابراهيم عوض ويردد تلك الأغنيات التي يغنيها في جلسات خاصة وخلال وجوده في مدينة صغيرة سعد وردي كثيراً عندما سمع أن براهيم عوض جاء لإحياء حفل غنائي وتسلل خلال الحفل إلى الكواليس ليلتقي بمطربه المفضل ويحكي له عن حلمه بدخول عالم الغناء ، على أمل أن يطلب من ابراهيم عوض أن يرد أمامه جملة الحنية أو أكثر ولكن ابراهيم عوض قال للصغير وردي يا بني (وكانا في نفس المرحلة العمرية) طريق الموسيقى والغناء وعر وصعب فابحث لك عن طريق آخر في تلك اللحظة قرر وردي عدم ترديد أي أغنية لذلك المطرب وقام بتلحين أغنيتين وتقدم بهما إلى الإذاعة السودانية فأجازته كمطرب ذي طابع خاص المهم أن وردي وخلال سنوات قليلة صار ولا يزال (حتى بعد موته) المطرب الأول في السودان وإثيوبيا والكاميرون والصومال وتشاد وأريتيريا وعموم إفريقيا جنوب الصحراء بل صار رمزاً للأغنية الوطنية ، تخطب الحكومات السودانية المتعاقبة وده أو تطارده وتسحنه وهكذا ينجح صاحب الموهبة الحقيقية في إثبات أنه كاتب و شاعر أو …..أو…. لو استمع إلى موهبته ووثق من نفسه وسد أذنيه كي لا يتسلل إليهما الكلام المحبط ، والشيء بالشيء يذكر فما جرى للمطرب محمد وردي حصل لكاتب هذه السطور ، فقد خطر بذهني الكتابة عن تاريخ نجد الغامض ، وأنا في (تايبيه- تايوان) وعندما عدت إلى الرياض أتيت الشيخ حمد بن محمد الجاسر –رحمه الله- وعرضت عليه فكرة أنني سأبحث في تاريخ نجد وأكتب عنه فقال ما معناه : أنصحك يا بني أن لا تحاول أن تبحث في هذا الموضوع (ما حولك ديرة) لو في هذا المجال لما تركناه ، لم نجد شيئاً في هذا المجال فلا تتعب نفسك وتضيع وقتك فتركته واتجهت للشيخ سعد بن عبد الله بن جنيدي –رحمه الله- فعرضت عليه الموضوع فقال : (حنا قبلك ما لقينا شين) ثم تركته واتجهت إلى الشيخ عبد الله بن محمد بن خميس –رحمه الله- وعرضت عليه الفكرة فقال : ما عندك شيء ، لم نجد شيئاً من هذا ، فتركت الجميع وعزمت وصممت وتوكلت على الله وبدأت البحث وبعد سنة من هذا الكلام أصدرت الجزء الأول من كتاب الألف سنة الغامضة من تاريخ نجد عام 1408 وأهديت للشيخ حمد نسخة منه فبهره ما وجد من معلومات وقال لي : من أين أتيت بهذه المعلومات ؟ فقلت له : من كتب اطلعت أنت على بعضها عندما كنت تبحث عن بلدانيات المملكة وبعد 6 سنوات من البحث والتقصي أصدرت الجزء الثاني من الألف السنة الغامضة من تاريخ نجد عام 1414 هــ ثم استمريت في البحث 6 سنوات أخرى أصدرت الجزء الثالث من هذا الكتاب عام 1421 هـ وفي سنة 1432 هــ أعدت طباعة الأجزاء الثلاثة طباعة منقحة ومزيدة بمعلومات جديدة وامتدت فترة البحث حتى شملت دولتي كندا الأولى وكندا الثانية والكتاب بمجمله يشعل شمعة مضيئة لمن يريد البحث والتقصي والتدقيق عن تاريخ هذه المنطقة وقد لا يفي بكل تاريخها ، إنما يعطي الضوء للباحثين الذين يأتون من بعدي وذلك بتوفيق من الله ونتيجة لترك عبارات الإحباط والتثبيط التي سمعتها .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.