1997


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


مر قيس بن ذريح ليعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة ، فوقف على خيمة منها والحي خلوف (أي الرجال غائبون) والخيمة خيمة لبني بنت الحباب الكعبية فاستسقى ماء فسقته وخرجت إليه به وكانت امرأة مديدة القامة شهلاء حلوة المنظر والكلام فلما رآها وقعت في نفسه وشرب الماء فقالت له : أتنزل فتتبرد عندنا ؟ قال : نعم ، غنزل بهم وجاء أبوها فنحر له وأكرمه فانصرف قيس وفي قلبه من لبني حر لا يطفأ فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروي ثم أتاها يوماً آخر وقد اشتدو جده بها ، فسلم فظهرت له وردت سلامه . وتحفت به فشكى إليها ما يجد بها ما يلقى من حبها وشكت إليه مصل ذلك فأطالت وعرف كل واحد منهما ماله عند صاحبه فانصرف إلى أبيه وأعلمه حاله وسأله أن يزوجه إياها فأبى عليه وقال : يا بني عليك باحدى بنات عمك فهن أحق بك وكان ذريح كثير المال موسراً فأحب ألا يخرج ابنه إلى غريبة فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه أبوه فأتى أمه فشكا ذلك إليها واستعان بها على أبيه فلم يجد عندها ما يحب فأتى الحسين بن علي بن أبي طالب وابن عتيق فشكى إليهما ما به وما رد عليه أبوه فقال له الحسين : أنا أكفيك فمشى معه إلى أبي لبني فلما بصر به أعظمه ووثب إليه وقال له : يا بن بنت رسول الله ما جاء بك ؟ ألا بعثت إلي فآتيك ! قال : إن الذي جئت فيه يوجب قصدك وقد جئتك قاصداً ابنتك لبني قيس بن ذريح فقال : يا بن بنت رسول الله ما كنا لنعصي لك أمراًً وما بنا عن الفتى رغبة ، ولكن أحب الأمر أيضاً أن يخطبها ذريح أبوه وأن يكون ذلك عن أمره فإنا نخاف أن لم يسع أبوه في هذا الكون عاراً وسبة علينا فأتى الحسين ذريحاً وقومه وهم مجتمعون فقاموا إعظاماً له وقالوا له مثل قول الخزاعيين فقال لذريح : أقسمت عليك إلا خطبت لبني لابنك قيس قال:  السمع والطاعة لأمرك فخرج معه في وجوه من قومه حتى أتوا والد لبني فخطبها ذريح فزوجه إياها وزفت إليه فأقامت معه مدة لا ينكر أحد من صاحبه شيئاً وكان قيس أبر الناس بأمه فألهته لبني وعكوفة عليها عن بعض ذلك فوجدت أمه في نفسها وقالت : شغلت هذه المرأة ابني عن بري ولم تر للكلام في ذلك موضعاً مرض مرضاً شديداً فلما برأ من علته قالت أمه لأبيه : لقد خشيت أن يموت قيس وما يترك خلفاً وقد حرم الولد من هذه المرأة وأنت ذو مال فيصير مالك إلى الكلالة فزوجه بغيرها لعل الله أن يرزقه ولداً وألحت عليه في ذلك فأهمل قيساً حتى إذا اجتمع قومه دعاه ، فقال : يا قيس إنك اعتللت هذه العلة بالولود فتزوج احدى بنات عمك لعل الله أن يهب لك ولداً تقربه عينك وأعيننا فقال قيس لست متزوجاً غيرها أبداً فقال له أبوه : فإن في مالي سعة فتسرَّ بالإملاء فقال : ولا أسوءها بشيء أبداً فقال أبوه : فإني أقسم عليك إلا طلقتها فأبى وقال الموت والله أسهل علي من ذلك ولكنني أخبرك خصلة من ثلاث خصال قال وما هي ؟ قال : أن تتزوج أنت فلعل الله أن يرزقك ولداً غيري قال : فما فيَّ فضلة لك قال فدعني أرتحل عنك بأهلي وأصنع ما كنت صانعاً لو مت في غلتي هذه قال : ولا هذه قال : فادع لبني عندك وارتحل عنك فلعلي أسلوها ، فإني ما أحب بعد أن تكون نفسي طيبة أنها خيالي قال : لا أرضى أو تطلقها وحلف لا يكنه سقف بيت أبداً حتى يطلق لبني فكان يخرج فيقف في حر الشمس ويجيئ قيس إلى جانبه فيظله بردائه ويصلي وهو بحر الشمس حتى يفيء الفيء فينصرف عنه ويدخل إلى لبني فيعانقها وتعانقه ويبكي وتبكي معه وتقول له : لا تطع أباك فتهلك وتهلكني فيقول : ما كنت لأطيع أحداً فيك فيقال أنه مكث على ذلك سنة ثم طلقها .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.