2003


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


فلما طال على قيس بن ذريح ما به أشار قومه على بيه أن يزوجه امرأة جميلة فلعله أن يسلو عن لبنى فدعاه أبوه إلى ذلك فأباه وقال :

لقد خفت ألا تقنع النفس بعدها = بشيء من الدنيا وإن كان مقنعاً
وازجر عنها النفس إذ حيل دونها = وتأبى إليها النفس إلا تطلعاً

فأعلمهم أبوه بما رد عليه ، قالوا فمره بالمسير إلى أحياء العرب والنزول عليهم فلعل عينه أن تقع على امرأة تعجبه ، فأقسم عليه أبوه أن يفعل ، فسار حتى نزل بحي فزارة فرأى جارية حسناء قد حسرت برقع خز عن وجهها وهي كالبدر ليلة تمة فقال لها : ما اسمك يا جارية ؟ قالت لبنى ، فسقط على وجهه مغشياً ، فنضحت على وجهه ماء واتاعت لما عراه ثم قالت : إن لم يكن هذا قيس بن ذريح إنه لمجنون ! فأفاق فنسبته فانتسب فقالت : علمت أنك قيس ، ولكن نشدتك الله وبخلق ليلى إلا أصبت من طعامنا ، وقدمت له طعاماً فأصاب منه بأصبعه ، وركب فأتى على ثره أخ لها كان غائباً فرأى مناخ ناقته فسألهم عنه فأخبروه ، فركب حتى رده إلى منزله ، وحلف عليه ليقيمن عنده شهراً ، فقال له : لقد شفقت علي ولكني سأتبع هواك والفزاري يزداد إعجاباً بحديثه وعقله وروايته ، فعرض عليه الصهر ، فقال له : يا هذا إن فيك لرغبة ، ولكني في شغل لا ينتفع في معه ، فمازال يعاوده والحي يلومونه ويقولون له : خشينا أن يصير علينا فعلك سبة ، فقال دعوني ففي مثل هذا الفتى يرغب الكرام فلم يزل به حتى أجابه وعقد الصهر بينه وبين أخته المسماة بينه وبين أخته المسماة لبنى ، وقال : أنا أسوق عنك صداقتها ، فقال : أنا والله يا أخي أكثر قومي مالاً فما حاجتك إلى تكلف هذا ؟ أنا سائر إلى قومي وسائق إليها المهر . ففعل وأعلم بأن الذي كان منه ، فسره وساق المهر عنه ورجع إلى الفزارين ثم أدخلت عليه زوجته فلم تره هش إليها ولادنا منها ، ولا خاطبها بحرف ولا نظر إليها وأقام على ذلك أياماً كثيرة ، ثم أعلمهم أنه يريد الخروج إلى قومه أياماً فأذنوا له في ذلك فمضى لوجهه إلى المدينة ، وكان له صديق من الأنصار فأتاه فأعلمه الأنصاري أن خبر تزويجه ثد بلغ لبنى فغمها وقالت : إنه لغدَّار ! ولقد كنت أمتنع من إجابة قومي إلى التزويج فأنا الآن أجيبهم ، وقد كان أبوها قد شكا قيساً إلى معاوية أعلمه تعرضه لها بعد الطلاق فكتب إلى مروان بن الحكم (والي المدينة) بهدر دمه إن تعرض لها ومر أباها أن يزوجها رجلاً يعرف بخالد بن حلزة من بني عبد الله بن غطفان ، ويقال بل مره أن يزوجها رجلاً من آل كثير بن الصلت الكندي حليف قريش فزوجها أبوها منه فجعل نساء الحي يقلن ليلة زفافها :

لبنى زوجها لا حرَّ بواءيه
له فضل على الناس بما بقات تناجيه
وقيس ميت حتى صريع في بواكيه
فلا يبعده الله وبعد لنواعيه

فجزع قيس جزعاً شديداً وجعل ينشج أحر نشيج ويبكي أحر بكاء ثم ركب من فوره حتى أتى محلة قومها فناداه النساء : ما تصنع الآن هاهنا ؟!! قد نقلت لبنى إلى زوجها ! وجعل الفتيات يعارضونه بهذه المقالة وما أشبهها وهو لا يجيبهم حتى أتى موضع خبائها فنزل على راحلته وجعل يتمعك (يتمرغ) في موضعها ويمرغ خده على ترابها ويبكي أحر بكاء ثم قال :

إلى الله أشكو فقد لبى كما شكا = إلى الله فقد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فجسمه = نحيل وعهد الوالدين قديم
بكت دارهم من نأيهم فتهللت =  دموعي فأي الجازعين ألوم
أمستعبراً يبكي من الشوق والهوى = أم آخر يبكي شجوه وتهيم


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.