2005


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال أبو نصر راوية الأصمعي : رحم الله الأصمعي ! إنه لمعدن حكم ، وبحر علم ، غير أنه لم نرى قط مثل أعرابي وقف بنا فسلم ، فقال : أيكم الأصمعي ؟ فقال : أنا ذاك ، قال : أتأذنون بالجلوس ؟ فأذنا له ، وعجبنا من حسن أدبه مع جفاء أدب الأعرابي ، قال : يا أصمعي أنت الذي يزعم هؤلاء النفر أنك أثقبهم معرفة بالشعر والعربية ، وحكايات الأعراب ؟ قال الأصمعي : فيهم من هو أعلم مني ومن هو دوني ، قال : تنشدني من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسه على شعر أصحابنا (الأعراب) فأنشده شعراً لرجل امتدح مسلمة بن عبد الملك بقوله :

أمسلم أنت بحر إن جاء واردا = وليت إذا ما الحرب طار عقابها
وأنت كسيف الهند وإني إن غدت =  حوادث من حرب يعب عبابها
وما خلقت أكرومة في امرئ له = ولا غاية إلا إليك مآبها
كأنك ديان عليهاموكل =  بها وعلى كفيك يجلي حسابها
إليك رحلنا الأيس إذ لم يخذلها = أخاثقة يرجى لديه ثوابها

فتبسم الأعرابي وهز رأسه فظننا أن ذلك لاستحسانه الشعر ثم قال : يا أصمعي هذا شعر مهلهل خلق النسج خطأه أكثر من صوابه ، يغطي عيوبه حسن الروي ورواية المنشد ، يشبهون الملك إذا امتدح بالأسد والأسد أبخر شتيم (كريه) المنظر وربما طرده شرذمة من إماءنا وتلاعب به صبياننا ، ويشبهونه بالبحر ، والبحر صعب على من ركبه مر على من شربه ، وبالسيف وربما خان بالحقيقة ونبا عن الضربة ! ألا أنشدتني كما قال صبي من حينا ! قال الأصمعي ماذا قال صاحبكم ؟ فأنشد :

إذا سألت الورى عن كل مكرمة = لم يعز إكرامها إلا إلى الهول
فتى جواد أذاب المال نائلة = فالنيل يشكر منه كثرة النيل
الموت يكره أن يلتقي منيته =  في كره عند اتفاق الخيل بالخيل
وزاحم الشمس أبقى الشمس كاسفة = أو زاحم الصم الجاها إلى الميل
أمضى من النجم إن نابته نائبة =  وإن أعدائه أمضى من السيل
لا يستريح إلى الدنيا وزينتها =  ولا تراه إليها ساحب الذيل
يقصر المخبر عنه في مكارمه = كما يقصر عن أفعاله قولي

قال أبو نصر : فأبهتنا والله ما سمعنا من قوله ، قال : فتأنا الأعرابي ثم قال للأصمعي: ألا تنشدني شعراً ترتاح إليه النفس ويسكن إليه القلب ، فأنشده لابن الرقاع العامري قوله :

وناعمة تجلو بعود أراكة =  مؤشرة يسبى المعانق طيبها
كأن بها خمراً بماء غمامة =  إذا أرشفت بعد الرقاد غروبها
أراك بلا نجد تحن وإنما =  منى كل نفس حيث كان حبيبها

فتبسم الأعرابي وقال : يا أصمعي هذا بدون الأولى ولا فوقها ، إلا أنشدتني كما قلت ، قال الأصمعي : وما قلت جعلت فداك ! فأنشده :

تعلقتها بكراً وعنقت حبها = فقلبي من كل الورى فارغ بكراً
إذا احتجت لم يكفك البدر ضوءها = ويكفيفك ضوء البدر إن حجب البدر
وما الصبر عنها إن صبرت وجدته =  جميلاً وهل في مثلها يحسن الصبر
وحسبك من خمر يوفتك ريقها = ووالله من ريقها حسبك الخمر
ولو أن جلد الذر لأمس جلدها = لكان لمس الذر في جلدها أثر
ولو لم يكن للبدر رداً جمالها =  وتفضله في حسنها لصفا البدر

قال أبو نصر : قال لنا الأصمعي : اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق الأكباد ، وأقام عندنا شهراً فجمع له الأصمعي خمسمائة دينار ، وكان يتعهدنا بين الحين والآخر ، فيزورنا حتى مات الأصمعي .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.