2006


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال اسحاق بن سليمان بن علي العباسي : لقيت أعرابياً بالسمينة (جبل بجانبه مورد على طريق الكوفة اليمامة) فصيحاً فاستخففته وتأملته مصفرٌ شاحب ناحل الجسم ، فاستنشدته فأنشدني الشيء بعد الشيء على استكراه مني له ، فقلت له : ما بالك ؟ فوالله إنك لفصيح ، فقال : أما ترى الجبلين ؟ قلت : بلى ، قال : في ظلالهما والله ما يمنعني من إنشادك ، ويشغلني ويذهلني عن الناس ، قلت وما ذاك ؟ قال : ابنة عم لي قد تيمتني وذهبت بعقلي ، والله إنه لتأتي علي ساعات ما أدري أفي السماء أنا أم في الأرض ، ولا أزال ثابت العقل مالم يخامر ذكرها قلبي ، فإذا خامره بطلت حواسي وغرب عني لبي ، قلت فما يمنعك منها ؟ قال : مئة ناقة ، قلت : فأنا أدفعها إليك إذاً لتدفعها إليهم ، قال : والله لإن فعلت ذلك إنك لأعظم الناس على منة ، فوعدته بذلك واستنشدته ما قال فيها  فأنشدني أشياء كثيرة منها قوله :

سقا العلم الفرد الذي في ظلاله = غزالان مكحولان مؤتلفان
أرعتهما ختلاً فلم أستطعهما = ورمياً ففاتاني وقد رميان

قلت له : يا أعرابي والله لقد قتلتني بقولك (ففاتاني وقد قتلاني) وأنا برئ من العباس إن لم أقم بأمرك ، ثم دعوت بمركوب فركبته وحملت معي الأعرابي ، فصرنا إلى أبي الجارية واشتريت له مئة ناقة فسقتها عنه وأقمت عندهم ثلاث ، ونحرت لهم ثلاثين جزوراً ووهبت للأعرابي عشرة آلاف درهم وللجارية مثلها ، وقلت استعينا بهذا على اتصالكما وانصرفت ، فكان الأعرابي يطرقنا في كل سنة وامرأته معه ، فأهب له وأصله وينصرف جزاه الله ألف خير وعوضه عما وهب .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.