2017


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان سديد الملك أبي الحسن بن منقذ صاحب قلعة شيزر (قرب حماة) مقصوداً من البلاد ممدحاً مدحه جماعة من الشعراء كابن الخياط والخفاجي وغيرهما وله شعر جيد أيضاً ، ومنه قوله وقد غضب على مملوكه فيضربه :

أسطو عليه وقلبي لو تمكن من = كفي غلهما غيظاً إلى عنقي
واستعير إذا عاقبته حنقاً = وأين ذل الهوى من عشرة الحنق

وكان موصوفاً بقوة الفطنة ، يحكى عنه في ذلك أنه كان يتردد على حلب قبل تملكه قلعة سيزر وصاحب حلب يومئذ تاج الملك محمود بن نصر بن صالح بن مرداس (457-467هــ / 1065-1075م) فجرى أمر خاف سديد الملك منه على نفسه ، فخرج من حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يومذاك جلال الملك بن عمار ، فأقام عنده ، فتقدم محمود صاحب حلب إلى كاتبه أبي النصر محمد بن الحسين بن علي النحاس الحلبي أن يكتب إلى سديد الملك كتاباً يتشوقه فيه ويستعطفه ، ويستدعيه إلى حلب ، ففهم الكاتب أنه يقصد له شراً إذا جاء به إليه ، وكان الكاتب صديقاً لسديد الملك ، فكتب الكاتب كما أمره مخدومه إلى أن بلغ إلى آخره وهو (إن شاء الله) فشدد النون وفتحها ، فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمار صاحب طرابلس ومن بمجلسه من خواصه فاستحسنوا عبارة الكاتب واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه ، وإيثاره لقربه ، فقال سديد الملك : إني أرى ما لا ترون في الكتاب ، ثم أجاب عن الكتاب بما اقتضاه الحال وكتب في جملة فصول الكتاب (إنا الخادم المقر بالأنعام) وكسر الهمزة من إنا وشدد النون فلما وصل الكتاب إلى محمود ووقف عليه سُرَّ بما جاء فيه وقال لأصدقائه قد علمت أن الذي كتبه لا يخفى على مثله ، وقد أجاب بما طيَّب قلبي عليه ، وكان الكاتب الأول قد قصد قوله تعالى (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك)<سورة القصص : الآية 20> فأجابه سديد الملك بقول الله تعالى : (إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها) (سورة المائدة : الآية 24) وكانت هذه النادرة معدودة من شدة تيقظه وفهمه .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.