2018


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال أبو مالك النهدي : جلس إلينا كُثير عزة ذات يوم فتذاكرنا جميلاً فقال : لقيني مرة فقال لي : من أين أقبلت ؟ قلت : من عند أبي الحبيبة (أعنى بثينة) قال : وإلى أين تمضي؟ قلت إلى الحبيبة (أعني عزة) فقال : لابد أن ترجع عودك على بدئك ، فتستحولي موعداً مع بثينة ، قلت : عهدي بها الساعة وأنا أستحي أن أرجع فقال : لابد من ذلك ، فقلت له : متى عهدك ببثينة ؟ قال : أول العيد وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الدوم (واد معترض شمال خيبر) فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها ، فلما أبصرتني أنكرتني ، فضربت بيديها إلى ثوب بالماء فالتحفت ، وعرفتني الجارية ، فأعادت الثوب في الماء ، وتحدثنا حتى غابت الشمس وسألتها الموعد فقالت أهلي سائرون ، وما وجدت أحداً آمنه فأرسله إليها فقال لها كثير : فهل لك أن آتي الحي فأنزع (أتمثل) بأبيات من شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها ؟ قال : ذلك الصواب ، فأرسله إليها ، فقال له : انتظرني ثم خرج كثير حتى أناخ بهم فقال له أبوها : ما ردك ؟ قال : ثلاثة أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك ، قال : هاتها فأنشدته وبثينة تسمع :

فقلت لها يا عز أرسل صاحبي = إليك رسولاً والموكل مرسل
بأن تجعلي بيني وبينك موعداً = وأن تأمريني بالذي فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني =  بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل

فضربت بثينة جانب خدرها وقالت : إخسأ ، إخسأ ! فقال أبوها ميهم (أي ما أمرك) يا بثينة ، قالت : كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرايبة ، ثم قالت للجارية : أبغينا من الدومات حطباً لنذبح لكثير شاة ونشويها له ، فقال كثير : أنا أعجل من ذلك وراح إلى جميل فأخبره ، فقال جميل : الموعد الدومات ، وقالت : لأم الحسين وليلى ونجيَّا بنات خالتها وكانت قد أنست إليهن واطمأنت بهن : إني قد رأيت في نحو نشيد أن جميلاً معه ، وخرج كثير وجميل حتى أتيا الدومات وجاءت بثينة ومن معها فما برحوا حتى برق الصبح فكان كثير يقول : ما رأيت مجلساً قط أحسن من ذلك ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ! ما أدري أيهما كان أفهم !


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.