2020


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


ورد أبو نصر الفارابي رحمه الله إلى دمشق على سيف الدولة ابن حمدان وهو إذ ذاك سلطانها ، قيل أنه لما دخل عليه وهو بزي الأتراك ، وكان ذلك زيه دائماً ، وقف ، فقال له سيف الدولة : اجلس ، فقال : حيث أنا وحيث أنت ؟ فقال : حيث أنت فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة ، وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه ، وكان على رأس سيف الدولة مماليك ، وله معهم لسان خاص يسارهم به ، فقال لهم بذلك اللسان : إن هذا الشيخ قد أساء الأدب ، وإني مسائله عن أشياء إن لم يعرفها فأخرجوا به فقال له أبو نصر بذلك اللسان : أيها الأمير اصبر فإن الأمور بعواقبها ، فعجب سيف الدولة منه ، وعظم عنده ، ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في كل فن ، فلم يزل كلامه يعلو ، وكلامهم يسفل حتى صمت الكل ، وبقي يتكلم وحده ثم أخذوا يكتبون ما يقوله ، فصرفهم سيف الدولة وخلا به ، فقال له : هل لك في أن تأكل ؟ قال : لا قال : فهل لك أن تشرب ؟ قال : لا ، فقال : هل لك أن تسمع ؟ قال : نعم ، فأمر سيف الدولة بإحضار القيان ، فحضر كل ماهر في الصنعة بأنواع الملاهي ، فخطأ الجميع ، فقال له سيف الدولة : هل تحسن هذه الصنعة؟ قال : نعم ، ثم أخرج من وسطه خريطة (كيس) ففتحها فأخرج منها عيداناً وركبها ثم لعب (عزف) بها فضحك كل من في المجلس ، ثم فكها وغير تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب فتركهم نياماً وخرج ، وقد أشرت إلى الفارابي في الفقرة رقم 1217 من هذا الكتاب غير أن هذه المعلومات أوفى ، وهو الذي وضع القانون في العزف ، وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس ، وكان مدة إقامته بدمشق لا يكون غالباً إلا عند مجتمع المياه ، أو مشتبك الرياض ، وهناك يؤلف كتبه ، وكان أزهد الناس في الدنيا ، لا يحتفل بأمر مسكن ولا مكسب ، وسأله سيف الدولة في مرتب من بيت المال فقال : يكفيني أربعة دراهم ولم يزل على ذلك إلى أن توفى رحمه الله عام 334 وقيل 339 هــ بدمشق وصلى عليه سيف الدولة وأربعة من خواصه وقد ناهز ثمانين سنة ودفن في ظاهر دمشق خارج باب الصغير –رحمه الله- .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.