2021


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


وبلي يزيد من الطثرية بحب جارية من جرم يقال لها وحشية وكانت من أحسن النساء ، ونافرتهم جرم فلم يجد إليها سبيلاً ، فصار من العشق إلى أن أشرف على الموت واشتد به الجهد ، فجاء إلى ابن عم له يقال له خليفة بن بوزل بعد اختلاف الأطباء إليه ويأسهم منه فقال له : يا ابن عم ، وقد تعلم أن ليس لي إلى هذه المرأة سبيل وأن التعزي أجمل فما أربك في أن تقتل نفسك وتأثم بربك ! قال : وما همي يا ابن عم بنفسي ومالي فيها أمر ولا نهي ، ولا همي إلا نفس الجريمة ، وإن كنت تريد حياتي فأرنيها ، قال : وكيف الحيلة ؟ قال : تحملني إليها فحمله إليها وهو لا يطمع في الجريمة ، إلا أنهم كانوا إذا قالوا له : نذهب بك إلى وحشية أبل قليلاً وراجع وطمع ، وإذا أيس منها ، اشتد به الوجع ، فخرج به خليفة بن بوزل فحمله فتخلل به إلى اليمن حتى إذا دخل في قبيلته انتسب إلى أخرى ويخبر أنه طالب حاجة ن وأبلَّ (تحسن وضعه) حتى صلح بعض الصلاح وطمع فيه ابن عمه وصارا بعد زمان إلى حي وحشية فلقيا الرعيان وكمنا في جبل من الجبال ، فجعل خليفة ينزل فيتعرض الرعيان الشاء فيسألهم عن راعي وحشية ، حتى لقي غلامها وغنمها ، فواعدهم موعداً وسألهم : ما حال وحشية ؟ فقال غلامها : هي والله بشر ! لا حفظ الله بني قشير ولا يوماً رايناهم فيه ! فما زالت عليلة منذ رأيناهم وكان بها طرف مما بابن الطثرية ! فقال : ويحك ! فإن هاهنا إنسان يداويها فلا تقل لأحد غيرها ، قال : نعم إن شاء الله تعالى ، فأعلمها الراعي ما قاله الرجل حين صار إليها ، فقالت له : ويحك ! فجئني به ، ثم إنه خرج فلقيه في الغد فأعلمه ، وظل عنده يرعى غنمه وتأخر عن الشاء حتى تقدمته الشاء وجنح الليل بين يدي غمنه حتى أراحها ، ومشى فيها حتى قربت من البيت على أربع وتجلل شملة سوداء بلون الشاءة من الغنم فصار إلى وحشية فسُرَّت به سروراً شديداً ، وأدخلته ستراً لها وجمعت عليه من الغد من تثق به من صويحباتها وأترابها ، وقد كان عهد إلى ابن عمه أن يقيم في الجبل ثلاث ليال فإن لم يره فالينصرف فأقام يزيد عندها ثلاث ليال ورجع إلى أن أصح ما كان عليه ثم انصرف فصار إلى صاحبه فقال : ما وراءك يا يزيد ؟ ورأى من طيب نفسه ما سره فقال :

لو أنك شاهدت الصبا يا ابن بودل = بفرع الغضا إذ راجعتني غيالطله
لشاهدت لهواً بعد شحط من النوى = على سخط الأعداء حلواً شمائله


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.