2023


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


يحكة أن الرشيد (هارون الرشيد) حج ماشياً ، وأن سبب ذلك أن أخاه موسى الهادي كانت له جارية تسمى (غادر) وكانت أحظى الناس عند الهادي ، وكانت من أحسن الناس وجهاً وغناء ، فغنت يوماً وهو مع جلسائه ، إذا عرض له سهو وفكر ، وتغير لونه ، فقال الجلساء : ما شأنك يا أمير المؤمنين ؟ قال : وقع في قلبي أن جاريتي غارد يتزوجها أخي هارون بعدي ، فقالوا : يطل الله البقاء أمير المؤمنين ، وكلنا  فداؤه ، فقال : ما يزيل هذا في نفسي ، وأمر بإحضار هارون وعرفه ما خطر بباله ، فاستعطفه (هارون) وتكلم بما ينبغي أن يتكلم به في تطييب نفسه ، فلم يقنع بذلك وقال : لا بد أن تحلف لي ، قال : أفعل وحلف له بكل يمين حلف بها الناس من طلاق وعتاق وحج وصدقة وأشياء مؤكدة فسكن ثم قام فدخل على الجارية فأحلفها بمثل ذلك ، ولم يلبث إلا شهراً ثم مات ، فلما أفضت الخلافة إلى هارون أرسل إلى الجارية يخطبها فقالت : يا سيدي كيف بأيمانك وأيماني ! فقال : أحلف بكل شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك فتزوجها وحج ماشياً ليمينه (ينظر حجة الرشيد ماشياً على قدميه في إحدى فقرات هذا الكتاب) ثم شغف بها أكثر من أخيه حتى كانت تنام فيضع رأسها في حجره فلا يتحرك حتى تنتبه ، فبينما هي ذات ليلة نائمة إذ انتبهت فزعة ، فقال لها : مالك ؟ قالت : رأيت أخاك في المنام الساعة ، وهو يقول :

أخلفت وعدك بعدما = جاورت سكان المقابر
ونسيت وحنثت في =  أيمانك الكذب الفواجر
فضللت في أهل البلى =  وغدوت في الحور الغرائر
ونكحت غادرة أخي =  صدق الذي سماك غادر
لا يهنك الألف الجديد = ولا تدر عنك الدوائر
ولحقت من قبل الصباح =  وصرت حيث غدوت صائر

والله يا أمير المؤمنين فكأنها مكتوبة في قلبي ، ما نسيت منها كلمة ، فقال الرشيد : هذه أضغاث أحلام فقالت كلا والله ما أملك نفسي وما زالت ترتعد حتى ماتت بعد ساعة .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.