2026


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال الجاحظ : عبرت يوماً على معلم كتاب فوجدته في هيئة حسنة ، وقماش مليح ، فقام إليَّ وأجلسني معه ، ففاتحه في القرآن فإذا هو ماهراً ، ففاتحته في شيء من النحو فوجدته ماهراً ، ثم أشعار العرب واللغة فإذا به كامل في جميع ما يراد منه ، فقلت قد وجب عليَّ تقطيع دفتر المعلمين فكنت كل قليل أتفقده وأزوره ، فأتيت بعض الأيام لزيارته فوجدت الكتاب مغلقاً ، فسألت جيرانه فقالوا : مات عنده ميت ، فقلت أروح أعزيه ، فجئت إلى بابه ، فطرقته فخرجت إليَّ جارية ، وقالت : ما تريد ؟ قلت : مولاك ، فقالت : مولاي جالس وحده في العزاء ، ما يعطي لأحد الطريق ، قلت : قولي له : صديقك فلان يطلب أن يعزيك ، فدخلت وخرجت وقالت : بسم الله ، فعبرت إليه فإذا هو جالس وحده ، فقلت : عظم الله أجرك ، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، وهذا سبيل لا بد منه فعليك بالصبر ، فقلت : أهذا الذي توفى ولدك ؟ قال : لا ، قلت : فوالدك ؟ قال : لا ، قلت : فأخوك ؟ قال : لا ، قلت : فمن ؟ قال : حبيبتي ، فقلت في نفسي هذا أول المناحس ، قلت له : سبحان الله ، تجد غيرها ، وتقع عينك على أحسن منها ، قال : وكأني بك وقد ظننت أني رأيتها ؟ فقلت في نفسي : هذه منحسة ثانية ، فقلت : وكسف عشقت من لا رأيته ؟ فقال : إعلم أني كنت جالساً وإذا رجل عابر يغني ويقول :

يا أم عمرٍ جزاك الله مكرمة = ردي علي فؤادي أينما كانا

فقلت في نفس لولا أن هذه أم عمرو ، مافي الدنيا مثلها ما كان الشعراء يتغزلون فيها ، فلما كان بعد يومين عبر ذلك الرجل وهو يغني :

إذا ذهب الحمار بأم عمرو =  فلا رجعت ولا رجع الحمار

فقلت إنها ماتت فحزنت عليها ، وقعدت في العزاء منذ ثلاثة أيام قال الجاحظ : فعادت عزيمتي وقويت على كتابة الدفتر لحكاية أم عمرو .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.