2038


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قيل للفضل بن يحيى البرمكي : ما أحسن كرمك لولا تيه فيك ! فقال : تعلمت الكرم والتيه من عمارة بن حمزة ! فقيل له : كيف ذلك ؟ فقال : كان أبي عاملاً على بعض كور (مدن) بلاد فارس فانكسرت عليه جماعة مستكثرة (أي نقص) فحمل إلى بغداد وطولب بالمال فدفع جميع ما يملكه ويقيت عليه ثلاثة آلاف ألف (أي ثلاثة ملايين درهم) لا يعرف لها وجهاً ، والطلب عليه حثيث فبقي حائراً في أمره وكان بينه وبين عمار بن حمزة منافرة ومواحشة لكنه علم أنه لا يقدر على مساعدته إلا هو ، فقال لي يوماً وأنا صبي امض إلى عمارة وسلم عليه عني وعرفه الضرورة التي قد صرنا إليها واطلب منه هذا المبلغ على شبيل القرض إلى أن يسهل الله تعالى باليسر فقلت له : أنت تعلم ما بينكما فكيف أمضي إلى عدوك بهذه الرسالة وأنا أعلم أنه لو قدر على إتلافك لأتلفك ؟ فقال : لا بد أن تمضي إليه ، لعل الله أن يسخره ويوقع في قلبه الرحمة ! قال الفضل : فلم تمكني معاودته وخرجت وأنا أقدم رجلاً و أؤخرى أخرى حتى أتيت داره ، واستأذنت في الدخول عليه ، فلما دخلت وجدته في صدر إيوانه متكئاً على مفارش وثيرة ، وقد غلف شعر لحيته بالمسك ووجهه إلى الحائط وكان من شدة تيهه لا يقعد إلا كذلك فوقفت أسفل الإيوان وسلمت عليه فلم يرد السلام فسلمت عليه عن أبي وقصصت عليه القصة فسكت ساعة ثم قال : حتى ننظر ! فخرجت من عنده نادماً على نقل خطاي إليه ، وموقنا بالحرمان عاتباً على أبي أن كلفني إذلال نفسي بمالا فائدة فيه ، وعزمت على ألا أعود إليه غيظاً منه فغبت عنه ساعة ثم جئته وقد سكن ما عندي فلما وصلت إلى الباب وجدت بغالاً محملة فقلت ما هذه ؟ فقيل إن عمارة قد سير المال فدخلت على أبي ولم أخبره بشيء مما جرى لي معه كي لا أكدر إحسانه إليه فمكثنا قليلاً وعاد أبي إلى الولاية وحصلت له أموال كثيرة فدفع إلي ذلك المبلغ وقال : احمله إليه فجئت به ودخلت عليه فوجدته على الهيئة الأولى فسلمت عليه فلم يرد فسلمت عليه عن أبي وشكرت إحسانه وعرفته بوصول المال فقال (بحرد) ويحك ! أقسطاراً (صرافاً) كنت لأبيك؟ أخرج عني لا بارك الله وهو (أي المال) لك فخرجت ورددت المال إلى أبي وعجبنا من حاله !!


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.