2040


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


أعجبني الدكتور بكري شيخ أمين جزاه الله خيراً في بعض كتاباته الأدبية التاريخية التي ينشرها في المجلات هنا وهناك من ذلك ما كتبه في مجلة الحج والعمرة عدد محرم لعام 1427هــ بعنوان (براءة الخيام من رباعياته براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام)  وملخص المقال يثور في الذهن سؤال ضخم كبير كيف نسب إلى هذا الرجل هذه الرباعيات وقد وصفه مؤرخوا عصره بالإمام الحجة الحق وحكيم الدنيا وفيلسوفها فكيف نسب إليه هذا الكم الهائل من الرباعيات وهو بم يقل إلا بضع عشرة رباعية ؟ كيف جعلت هذه الأشعار عمر بن الخيام زنديقاً أو كالزنديق وهو رفيق أكابر العلماء ونظيرهم وكيف انتقلت هذه الأشعار إلى لغات العالم ؟ ولماذا صورته بهذه التصاوير؟ ولماذا بذلت الرباعيات هذا البذل وغدت بمتناول كل يد ؟ ونتساءل عن هذه الظاهرة التي انتشرت منذ ما يزيد على مائة عام من عصرنا ، كان أول ما عرف عمر الخيام من الفرنجة هو (توماس هايد) أستاذ العربية والعبرية في جامعة (أوكسفورد بلندن) وتبعه المستشرق النمساوي (كور أورسلي) رباعيتين وتتابع المترجمون حتى بلغ عدد مترجمي رباعياته في القرنين الماضيين أكثر من عشرين مترجماً ومعظمهم من اليهود والمؤلفين في الأدب العبري وفي سنة 1859 م شر الشاعر الإنكليزي (فيتز جيرالد) الرباعيات شعراً وبهذا الشعر انتشرت الرباعيات في جميع أصقاع العالم وفي الحق أن من يقرأ أشعار (فيتزجيرالد) الرائعة المسبوكة بلغة كأنها السحر ينجذب على مضمونها ويسحر بأسلوبها وجمالها كل من يقرؤها . ومن الإنكليزية ترجمت إلى معظم لغات العالم وما الرباعيات المغناة بالعربية والتركية والأوردية والفرنسية والروسية وسائر اللغات الأخرى إلا ترجمة لرباعيات (فيتزجيرالد) وليس لعمر الخيام الحقيقي يد فيها ولا معرفة بها ولا هو قالها ، بل لم تخطر على باله وهو بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب فكيف نسبت إليه ؟ يكشف العلماء والباحثون السروير بطون بين حركة الاستعمار التي قويت واشتدت في القرن الثامن عشر وما رافقها من حملات تبشيرية وتنصيرية وزعم المبشرون أنهم وجدوا مخطوطة في جامعة (أكسفورد) منسوبة إلى رجل يدعى بـ (الخيام) ربما قد دسها أحد الوضاعين الذين يريدون تشويه المسلمين كلها زندقة ودعوة إلى السكر والعربدة وسرعان ما ترجمتها إلى الإنكليزية اليهودي (توماس ماير) ثم تلقفها (فون هام) النمساوي ونقلها إلى الألمانية حتى إذا حلت سنة 1859م وجدنا (فيتز جيرالد) اختار من الرباعيات ما شاء له الهوى ونقلها بالمعنى إلى الإنكليزية وولد في خلالها شاعر جديد اسمه عمر الخيام لا يمت بصلة إلى عمر الخيام الفارسي الأصل المسلم بصلة إلا بصلة الاسم لا أكثر وربح الاستعمار والمبشرون ربحاً لا نظير له فلقد أوهموا المشارقة بخاصة أي من علمائهم الكبار من ينظم مثل هذه الأشعار ويشرب الخمور ويفعل هذه الأفاعي ولا حرج عليهم أن يلقدوا علمهم وانطلت الحيلة واللعبة على كثير من الناس فإذا جمهور غفير من المخدوعين يسلك سلوك (خيام فيتزجيرالد) وأعقبه أحمد الصافي النجفي وجميل صدقي الزهاوي وأحمد زكي أبو شادي وتوفيق مفرج لكن الطامة الكبرى هي التي ترجمها من الإنكليزية الشاعر المصري أحمد رامي وكانت ترجمته من الجمال الفني والعبارات المغرية أشبه بترجمة (فيتزجيرالد) السحرية وزادها حلاوة أسلوب وقبول عند كثير من دعاة الألحان وغناء أم كلثوم لها رغم تعديلها عدداً من الكلمات الأصلية (ولدي في مكتبتي عدد من الرباعيات هي لأحمد النجفي 351 رباعية ، وأحمد رامس 142 رباعية وابراهيم العريض 168 رباعية) والمفاجأة الكبرى التي تصل إلى حد الصدمة أن الرجل اسمه عمر و كنيته أبو الفتح ولقبه غياث الدين ووالده ابراهيم النيسابوري وشهرته الخيام أو الخيامي لاشتغاله بصنع الخيام وقد ولد في نيسابور من أعمال خراسان في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الهجري العاشر الميلادي وتوفي قبيل انهاء الربع الأول من القرن السادس الهجري الحادي عشر الميلادي ، ويحدد الزركلي في كتابه الأعلام وفاته بسنة 515 هــ 1121م وفي عصره يضج علم الكلام واشتد النزاع العلمي بين الأشاعرة والمعتزلة والحنابلة والجبرية وغيرهم . وعاش عمر الخيام في وسط علمي وفي بيئة علمية فنية وكان لأولئك الذين تتلمذ لهم وتتلمذوا عليه مكانة علمية عظيمة في عصره ، ومعا صروه جميعاً وصفوه بأحلى وأجمل وأرفع ما وصف به الرجال العلماء رفاق دربه وأصحابه وأترابه كانوا من خيرة الناس وأفضلهم منهم الإمام أبو حامد الغزالي والوزير نظام الملك وزير ملوك السلاجقة وباني المدارس النظامية في شتى أرجاء العالم الإسلامي وجار الله محمود الزمخشري صاحب التفسير المعروف (الكشاف) وغيرهم ومؤرخوا عصره وصفوه بالإمام وحجة الحق وحكيم الدنيا وفيلسوفها و (الدستور) و (ابن سيناء الثاني) والعالم الفلكي والفقيه بالقراءات القرآنية والزاهد والمتصوف ترى هل يمكن أن يوصف إنسان على  هذا القدر من العلم والحق والزهد والتقوى والحكمة وحسن مجالسة الملوك والعلماء وأفاضل الناس بغير ما وصفه أبناء عصره لم يقل أحد من تلاميذه وشيوخه وأصحابه ورفاق دربه أنا كان زنديقاً أو سكيراً أو منحرفاً حتى الشعر الذي ذكر واله عدداً من الرباعيات لا تزيد عن بضع عشرة كلها في الزهد .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.