2045


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال داود بن الرشيد قلت للهيثم بن عدي بأي شيء استحق سعيد بن عصمان أن ولاه المهدي القضاء وأنزله تلك المنزلة الرفيعة ؟ قال إن خيره في اتصاله بالمهدي طريف فإن أحببت شرحته لك قلت والله قد أحببت ذلك فقال : اعلم أنه وافي الربيع الحاجب حين أفضت الخلافة إلى المهدي قال : استأذن لي على أمير المؤمنين فقال له الربيع : من أنت ؟ وما حاجتك ؟ قال : أنا رجل قد رأيت لأمير المؤمنين رؤيا صالحة وقد أحببت أن تذكرني له ، فقال الربيع يا هذا إن القوم لا يصدقون فيما يرونه لأنفسهم فكيف ما يراه لهم غيرهم ! فاحتل بحيلة هي خير لك من هذه فقال له : إن لم تخبره بمكاني سألت من يوصلني إليه فأخبرته أني سألتك الأذن عليه فلم تفعل فدخل الربيع إلى المهدي فقال له : يا أمير المؤمنين إنكم قد أطعتم الناس في أنفسكم فقد احتالوا لكم بكل ضرب قال له : هكذا صنع الملوك فما ذاك ؟ قال رجل بالباب يزعم أنه قد رأى لأمير المؤمنين رؤيا حسنة وقد أحب أن يقصها عليك فقال المهدي : ويحك يا ربيع إني والله أرى الرؤيا النفسي فلا تصح لي فكيف إذا ادعاها من لعله اقنعلها قال : والله قلت له مثل هذا فلم يقبل قال : هات الرجل فأدخله إليه سعيد وكان له رؤية وجمال مروءة ظاهرة ولحية عظيمة ولسان فقال له المهدي : هات بارك الله عليك ! ماذا رأيت ؟ قال : رأيت يا مير المؤمنين آتياً أتاني في منامي فقال لي : أخبر مير المؤمنين المهدي أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة وآية ذلك أنه يرى في ليلته هذه في منامه كأنه يقلب يواقيت ثم يعدها فيجدها ثلاثين ياقوتة كأنها قد وهبت له فقال له المهدي ما أحسن ما رأيت ونحن نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة على ما أخبرتنا به ، فإن كان الأمر على ما ذكرت أعطيناك ما تريد وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا نرى أن الرؤيا ربما صدقت وربما اختلفت قال له سعيد : ما أنا صانع الساعة إذا صرت إلى منزلي وعيالي فأخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين ثم رجعت صفراً قال له المهدي فكيف نعمل ؟ قال : يعمل أمير المؤمنين على ما أحب و أحلف له أني قد صدقت ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ومر أن يؤخذ منه كفيل ليحضر من غد ذلك اليوم فقبض المال وقيل له : من يكفل بي قال له المهدي أتكفل به ؟ فاحمر وخجل وقال : نعم وكفل به وانصرف فلما كان من تلك الليلة رأى المهدي ما ذكره له سعيد حرفاً بحرف وأصبح سعيد بالباب واستأذن له ، فلما وقعت عين المهدي عليه قال : أين مصداق ما قلت لنا ؟ قال سعيد : ما رأى أمير المؤمنين ؟ قال المهدي : قد والله رأيت ذلك فقال له سعيد : الله أكبر ! فأنجز يا أمير المؤمنين ما وعدتني به ، قال له : حباً وكرامة ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار وعشرة تخوت ثياب (التخت وعاء تصان فيه الثياب وتحفظ) وثلاثة مراكب من أنفس دوابه محلاة فأخذ ذلك وانصرف فلحق به الخادم الذي قد كفل به وقال له : سألتك بالله هل كان لهذه الرؤيا التي ذكرتها من أصل ؟ فقال سعيد : لا والله ، قال الخادم : كيف وقد رأى أمير المؤمنين ما ذكرته ؟ قال : هذا مما لا يأبه به أمثالكم وذلك أني لما ألقيت إليه هذا الكلام خطر بباله وحث به نفسه وشغل به فكره فساعة نام خيل إليه ما حل في قلبه وما كان يشغل به فكره في المنام فبهت الخادم وتعجب فقال سعيد : قد صدقتك وجعلت صدقي لك مكافأتك على كفالتك فاستر علي ففعل ثم طلبه المهدي لمنادمته وحظي عنده وقلده القضاء على عسكره فلم يزل كذلك حتى مات المهدي .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.