2046


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال هشام بن محمد الكلبي عن أبيه : أن أعشى همدان (عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث) كان مع خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي والي (دستبي) (وهي كورة مقسومة بين الري وهمذان) وكان الأعشى شاعر أهل اليمن بالكوفة وفارسهم فلما قدم خالد في مغزاه خرج جواريه يتلقينه وفيهن أم ولد له كانت رفيعة القدر منه فجعل الناس يمرون عليها إلى أن جازبها الأعشى وهو على فرسه يميل يميناً ويساراً من النعاس فقالت أم ولد خالد بن عتاب لجواريها إن امرأة خالد لتفاخرني بأبيها وعمها وأخيها وهل يزيدون على أن يكونوا مثل هذا الشيخ المرتعش وسمعها الأعشى فقال من هذه ؟ فقال له بعض الناس هذه جارية خالد ، فضحك وقال لها إليك عني يالكعاء ثم أنشأ يقول :

وما يدريك ما فرس جرور = وما يدريك ما حمل السلاح
وما يدريك ما شيخ كبير =  عداه الدهر عن سنن المراح
فأقسم لو ركبت الورد يوماً =  وليلته إلى وضح الصباح
إذاً لنظرت منك إلى مكان =  كسحق البرد أو أثر الجراح

فأصبحت الجارية ودخلت على خالد فشكت عليه الأعشى فقالت : والله ما تكرم وقد اجترئ عليك ! فقال لها : وما ذاك ؟ فأخبرته أنها مرت برجل في وجه الصباح ووصفته له وأنه سبها فقال : ذلك أعشى همدان فأي شيء قال لك ؟ فأنشدته الأبيات فبعث إلى الأعشى فلما دخل عليه قال له : ما تقول ؟ هذه رعمت أنك هجوتها فقال : أساءت سمعاً إنما قلته :

مررت بنسوة متعطرات = كضوء الصبح أو بيض الأداحي
على شقر البغال فصدن قلبي = بحسن الدل والحدق الملاح
فقلت من الظباء فقلن سرب = بدا لك من ظباء بني رياح

فقالت : لا والله ما هكذا قال : وأعاد الأبيات فقال له خالد : أما أنها لولا أنها قد ولدت منى لو هبتها لك ولكني أفتدي جنايتها بمثل ثمنها فدفعه إليه وقال له : أقسمت عليك يا أبا المصبح ألا تعيد في هذا المعنى شيئاً بعدما فرط منك .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.