2052


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان حجدر بن ربيعة من لصوص العرب وشيطانيهم يغير على أحيائهم فينهبها وربما فتك بمن تعرض له ، واشتد شره في أيام الوليد بن عبد الملك حتى أباد خلقاً كثيراً فبلغ أمره الحجاج فكتب إلى عاملة باليمامة يؤنبه لعجزه عن الضرب على يد ذلك الفاتك ، وأمره أن توقع به أو يحمله إليه أسيراً فأوطأ العامل جماعة من فتية بني حنظلة وجعل لهم الجعائل (الجوائز) العظيمة إن هم أتوه به مغلولاً فأرسلوا إليه يقولون بأنهم يريدون الانقطاع إليه والخضوع لأمره فأخلد جحدر إلى قولهم وأدخلهم في صحبته فأخذوا ينهبون تحت لوائه إلى أن صادفوا منه غرة فشدوا وثاقه وقدموا به إلى العامل الذي وجههم به إلى الحجاج فلما مثلوا بين يديه قال الحجاج : أنت جحدر ؟ قال : نعم قال : وما جرأك على ما بلغني عنك ؟ قال : جور الزمان وجرأة الجنان ! قال وما بلغ من أمرك ؟ فقال : لو ابتلاني الأمير وجعلني من الفرسان لرأي مني ما يعجبه ، فال : يا جحدر إني قاذف بك إلى حفيرة بها سبع شرس فإن قتلك كفانا مئونتك وإن قتلته عفونا عنك لشجاعتك ! فقال : أصلح الله الأمير ! لقد قرب الفرج فأمر الحجاج بحبسه وكتب إلى العامل أن يرتاد (يصطاد) سبعاً عتياً ويحمله إليه فارتاد له أسداً خبيثاً كريه  المنظر قد أفنى جميع ما باليمامة من حيوان ووضعه في قفص من جديد وأنفذه إلى الحجاج فأمر أن يلقى في الحفيرة ولا يطعم شيئاً ثلاثة أيام حتى إذا ما اشتد به الجوع أخرج إليه جحدر وما أعطي إلا سيفاً والحجاج مشرف على الحفيرة والناس حوله ينظرون إلى الأسد ما هو صانع بفريسته ! فلما رفع له نهض وزأر زئيراً رج الجبال وراع الحاضرين فأنشد جحدر :

ليث وليث في مكان ضنك = كلاهما ذو قوة وسفك
وصولة وبطشة وفتك = وإن يكشف الله قناع الشك
فأنت لي في قبضتي وملكي

ثم أدلى به فوقع الصاعقة فصرخ الأسد عند رؤيته صرخة عظيمة فأجابه هو بأعظم منها وضربه بسيفه ضربة فقلت هامته فكبر الناس وأعجب به الحجاج وقال لله درك ما أمجدك ! ثم خيره بين أن يقيم عنده مكرماً أو يلحق ببلاده على ألا يؤذي أحداً ولا يحدث حدثاً فاختار جحدر الإقامة معه وأحسن أدبه حتى حظي عنده وجعله من سماره وخواصه وبعد ذلك بزمن غير طويل ولاه اليمامة ومكث فيها مدة قام فيها بأعباء الولاية خير قيام .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.