2057


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قدم ابن جامه قدمة له من مكة على الرشيد (هارون الرشيد) وكان ابن جامع حسن السمت كثير الصلاة قد أخذ السجود جبهته وكان يعتم بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة ويلبس لباس الفقهاء ويركب حماراً مريسياً (نسبة إلى مريسة قرية بمصر) في زي أهل الحجاز فبينما هو واقف على باب يحى بن خالد (البرمكي) يلتمس الأن عليه فوقف على ما كان يقف الناس عليه في القديم حتى يأذن لهم أو يصرفهم أقبل أبو يوسف القاضي بأصحابه من أهل القلانس فلما هجم على الباب نظر إلى رجل يقف إلى جانبه ويحادثه فوقعت علينه على ابن جامع فرأى سمته وحلاوة هيئته فجاءو وقف إلى جانبه وقال : أمتع الله بك ، توسمت فيك الحجازية القرشية قال : أصبت قال : فمن أي قريش أنت ؟ قال : من بني سهم قال : فأي الحرمين منزلك ؟ قال مكة قال  ومن لقيت من فقهائها ؟ قال : سل عمن شئت ففاتحه الفقه والحديث فوجد عنده ما أحب به ، ونظر الناس إليهما فقالوا : هذا القاضي قد اقبل على المغني وأبو يوسف لا يعلم أنه ابن جامع فقال أصحابه : لو أخبرناه عنه ! ثم قالوا لا لعله لا يعود إلى مواقفته بعد اليوم فلم نعمه فلما كان الاذن الثاني ليحي غدا عليه الناس وغدا عليه أبو يوسف فنظر يطلب ابن جامع فرآه فذهب فوقف إلى جانبه فحادثه طويلاً كما فعل في المرة الأولى فلما انصرف قال بعض أصحابه : أيها القاضي أتعرف هذا الذي تواقف وتحادث ؟ قال : نعم رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء قالوا : قد شهروك بمواقفته وأنكروا ذلك من فعلك فلما كان الأذن الثالث جاء أبو يوسف ونظر إليه فتنكبه وعرف ابن جامع أنه قد أنذر به فجاء فوقف فسلم عليه فرد عليه أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه به ثم انحرف عنه فدنا منه ابن جامع وعرف الناس مالك تنحرف عني ؟ أي شيء أنكرت ؟ قالوا لك : إني ابن جامع المغني فكرهت مواقفتي لك ! أسألك عم مسألة ثم اصنع ما شئت ومال الناس فأقبلوا نحوهما يستمعون فقال: يا أبا يوسف لو أن أعرابيا جلفا وقف بين يديك فأنشدك بجفاء وغلطة من لسانه وقال :

يا دار مية بالعلياء فالسند = أقوت وطال علها سالف الأبد

أكنت ترى بذلك بأساً ؟ قال : لا قدوري عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر قول وروي في الحديث فإن قلت أنا هكذا ثم اندفع يتغنى فيه حتى أتي عليه ثم قال : يا أبا يوسف : رأيتني زدت فيه أو نقصت منه ؟ قال : عافاك الله ، اعفنا من ذلك ، قال : يا أبا يوسف أنت صاحب فتياً ما زدته على أن حسنته بألفاظي فحسن في السماع ووصل إلى القلب ثم تنحى عنه ابن جامع .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.