2058


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


أعجبني ما كتبه الدكتور بكري شيخ أمين بعنوان (الكذبة التاريخية بين السموءل والحارثي) التي امتد بها الزمن ورددها الناس فصارت حقيقة للأسف والكذبة يكذبها البعض فيقف منها أناس بين مصدق ومكذب ولا يبالون بصحتها وتسير الكذبة وتنتشر من مكان إلى مكان ومن عصر إلى عصر ومن دولة إلى دولة أخرى ومن جيل إلى جيل فإذاً تكتسب مع الزمن قوة الحقيقة وتحتل مكانة الصدق ثم لا يجرؤ أحد على مناقشتها بصحتها أو عدم صحتها ذكر أبو تمام في (الحماسة) أبياتاً ونسبها إلى السموءل وكررها صاحب كتاب (الوسيط في الأدب العربي وتاريخه) وهما أحمد الاسكندري ومصطفى عناني بك ، ثم رددها مؤلفون كبار في مصر وهم أحمد أمين وعلي الجارم وعبد العزيز البشري وأحمد ضيف في كتابهم (المفصل في تاريخ الأدب العربي) والأبيات التي ذكرها المفصل :

وأنا لقوم لا ترى الموت سبة = إذا مارأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا =  وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا واحد حتف أنفه = ولات طل منا حيث كان قتيل

وحقيقة هذا الشعر لرجل عباسي مسلم اسمه عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي من أرض اليمن السعيدة وقد ضاقت الشام بشاعرية عبد الملك الحارثي فقدي بغداد في مطلع شبابه كما يبدو ولكن لم ينل فيها توفيقاً وقيل أن هارون الرشيد غضب عليه لسبب لا نعرفه فسجته وغابت أخبار عبد الملك وضاعت أشعاره والموضوع الذي أريد التحدث عنه يتلخص حول صحة أبيات السموءل بن عاديا اليهودي الجاهلي الأبيات الشعرية المشهورة التي قالها بعد أن ضحى بابنه الشاب في سبيل محافظته على وعده لامرئ القيس الشاعر الجاهلي المعروف بأن يصون دروعه وامرأته أثناء غيابه في سفره إلى بلاد الروم فضرب به المثل في الوفاء وصار يقال أوفى من السموءل من ذلك الأبيات المتفرقة :

إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه = فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها = فليس إلى حسن الثناء سبيل
تعيرنا إنا قليل عديدنا = فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا = عزيز وجار الأكثرين ذليل
وأنا لقوم لا نرى الموت سبة = إذا ما رأته عامر وسلول
وما مات منا سيد حتف أنفه = ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسنا =  وليست على غير الظبات تسيل
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم = فليس سواء عالم وجهول
فإن بني الديان قطب لقومهم = تدور رحاهم حولهم وتجول

وكنت أتمنى لو تعرض لخبر السموءل العلماء المسلمون الذين نخلوا الأحاديث التي رويت على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وغربلوها وبينوا ما فيها من زيف أو ضعف أو بطلان يوم ابتدعوا علماً رائعاً اسمه (الجرح والتعديل) وسموا الوضاعين بأسمائهم وبينوا أسباب ضعفهم ودواعي كذبهم لكن رواة الأدب واللغة المسلمين لم يعتنوا بهذا الجانب وجمعوا ما هب ودبومن ذلك قالها آدم ونوح وابراهيم وكثير من الأنبياء عليهم السلام ولم يكن أي منهم يعرف حرفاً من الحروف العربية فضلاً عن أن ينظم الشعر وبداية الرواية عند الأعلم الشنتمري الأندلسي المتوفي عام 476هــ 1084م في كتابه (شرح أشعار العرب الستة) ثم جاء التبريزي المتوفي عام 502هــ 1109م فزاد الطين بلة ففصل القصة أكثر من الشنتمري وقد اعتمد القصاصون والروائيون على أبيات منسوبة للأعشى في أبيات مطلعها :

كن كالسموءل إذ طاف الهمام به = في جحفل كهزيع الليل جرار
إذ سامه خطتى خسف فقال له = قل ما تشاء فإني سامع جاري
فقال عذر وثكل أنت بينهما =  فاختر وما فيهما حظ لمختار
فشك غير قليل ثم قال له =  اقتل أسيرك إني مانع جاري
فاختار أدرعه كي لا يسب بها = ولم يكن عهده فيها بختار

لم ينتبه القصاصون والروائيون إلى هلهلة هذا الشعر وكأنه في عصور الضعف والانحطاط والنقد الموضوعي يوحي باختلاف أبيات الأعشى كما يوحي بأن ما أورده الأعلم الشنتمري والتبريزي كلام منتحل من أوله إلى آخره وأول من ذكر أشعار عبد الملك في ديوان الحماسة أبو تمام ثم أورد ابن المعتز ترجمة موجزة له كذلك أورد الثعالبي المتوفى عام 429 هــ شيئاً من شعر عبد الملك في كتابه (خاص الخاص) وكان الكثير من الناس منذ القدم يظنون أن القصيدة التي مطلعها :

إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه = فكل رداء يرتديه جميل

للسموءل بن عاديا اليهودي لكن بعض رواء الأدب كابن طباطبا العلوي المتوفي عام 478هــ وأبي بكر الصولي المتوفي 335 هــ وابن الأعرابي المتوفي 231هــ والمرزوقي 421هــ ذكروا أن القصيدة لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي ونبهوا أنها تنسب للسموءل خطأ وأكبر دليل على براءة السموءل من القصيدة أن تعبر (مات حتف أنفه) تعبير إسلامي ثم أن افتخار السموءل ببني عبد المدان وهم قبيلة عبد الملك وليسوا قبيلة السموءل بن عاديا فكيف يفتخر شاعر بقوم هم غير عشيرته ثم نتسائل عن العاطفة الإنسانية غير المعهودة في بني البشر جميعاً أن يقتل شاب أو يذبح في ريعان شبابه أمام عيني أبيه ويشق إلى شقين والأب يراه بأم عينه ويرى قاتله ولا يحرك ساكناً ولا يبكي ويثأر لولده ولا يقول كلمة رثاء ولكنه يتغنى بأبيات لا علاقة لها بقدر الحارث بن ظالم ولا بقصة امرئ القيس فكأن القصة في عالم والقصيدة في عالم آخر ونتساءل هل كان اليهود في مضي الزمان ووسطه وحاضره في الشرق أو الغرب في الشمال و الجنوب من حفظ العهد وأدى الأمانة ورعى عهداً أو ميثاقاً ؟!! وفي مصدر آخر : أن الرواة دارم بن عقال أوسعية بن الغرض أو غيرهما اختلقوا القصة ودارم بن عقال من سلالة السموءل وهو مصدر مشكوك فيه ومجهول وكل ما قيل من نسبة هذه القصيدة للسموءل من تلفيقات اليهود .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.