2061


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان مالك بن أبي السمح الطائي المغني فأصابتهم حطمة (الجدب) في بلادهم بالجيلين (أجا وسلمى) فقدمت به أمه وبأخوة له أيتام لا شيء لهم فكان يجلس وهو غلام عند باب حمزة بن عبد الله بن الزبير على من دخل عليه أو خرج منه يرمي عليه بدرهم و دراهم يقتات بها هو وأمه وأخوته ، وكان معبد (المغني) منقطعاً إلى حمزة يكون عنده في كل يوم بغنى فسمع مالك غناءه فأعجبه واشتهاه فكان لا يفارق باب حمزة يسمع معبد إلى الليل فلا يطوف في المدينة ولا يطلب من أحد شيئاً ولا يريم مووضعه (تركه) فينصرف إلى أمه ولم يكتسب شيئاً فتضربه وهو مع ذلك يترنم بألحان معبد ويؤديها دوراً دوراً في مواضع صيحاته وسجاجاته ونبراته نغماً لفظ ولا رواية شيء من الشعر وجعل حمزة كلما غدا وراح رآه ملازماً لبابه فقال لغلامه أدخل هذا الغلام الأعرابي إلي فأدخله فقال له : من أنت ؟ فقال أنا غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فطحتنا إليكم ومعي أم لي وإخوة وإني لزمت بابك فسمعت من دارك صوتاً أعجبني فلزمت بابك من أجله فقال هل تعرف منه شيئاً ؟ فقال أعرف لحنه كله ولا أعرف الشعر فقال : إن كنت صادقاً إنك لفهم ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتاً فغناه ثم قال لمالك : هل تستطيع أن تقوله ؟ قال : نعم قال : هاته فاندفع فغناه فادى نغمته بغير شعر يؤدي مداته ولياته وعطفاته ونبراته وتعليقاته ولا يخرم حرفاً فقال لمعبد خذ هذا الغلام إليك وخرجه فليكونن له شأن قال معبد ولم أفعل ذلك ؟ قال : لتكون محاسنه منسوبة إليك وإلا عدل إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبة إليه فقال مالك أصدق الأمير وأنا أفعل ما أمرتني به ثم قال حمزة لمالك كيف وجدت ملازمتك لبابنا ؟ فقال : أرأيت لو قلت فيك غير الذي أنت له مستحق من الباطل أكنت ترضى بذلك ؟ قال : لا ، قال : وكذلك لا يسرك أن تحمد بما لم تفعل ، قال : نعم ، قال : فوالله ما شبعت على بابك شبعة قط ولا انقلبت منه إلى أهلي بخير. فأمر له ولأمه ولأخوته وأجرى لهم رزقاً وكسوة وأمر لهم بخادم ، وعبد يسقيهم الماء ، وأجلس مالكاً معه في مجلسه ، وأمر معبد أن يطارحه فلم ينشب (يلبث) أن مهر وحذق ، وكان ذلك يعقب مقتل هدبة بن الخشرم فخرج مالك يوماً فسمع امرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدية بن الخشرم بشعر في زيادة :

أبعد الذي بالنعف نعف كويكب = رهينة رمس ذي تراب وجندل
أذكر بالبقيا على من أصابني = وبقياي أني جاهد غير مؤتلي
فلا يدعني قومي لزيد بن مالك = لإن أعجل ضربة أو أعجل
وإلا أنل ثاري من اليوم أو غدٍ = بني عمنا فالدهر ذو متطول
أنختم علينا كلكل الحرب مرة = فنحن منيخوها عليكم بككل

فغنى هذا الشعر لحنين أحدهما نحا فيه نحو المرأة في نحوها ورقته وأصلحه وزاد فيه ، والآخر نحافيه نحو معبد في غنائه ثم دخل على حمزة فقال له : أيها الأمير إني قد صنعت غناء في شعر سمعت بعض أهل المدينة ينشده فأعجبني ، فإن أذن لي الأمير غنيته فيه ، فقال : هاته ، فغناه اللحن الذي نحا فيه نحو معبد فطرب حمزة وقال له : أحسنت يا غلام ، هذا الغناء غناء معبد وطريقته ، فقال : لا تعجل أيها الأمير ، واسمع مني شيئاً ليس من غناء معبد ولا طريقته ، قال : هات فغناه اللحن الذي تشبه بنوح المرأة ، فطرب حمزة حتى ألقى عليه حلة كانت عليه قيمتها مائتي دينار ، ودخل معبد فرأى حلة حمزة عليه فأنكرها ، وعلم حمزة بذلك فأخبر معبداً بالسبب ، وأمر مالكاً فغنى الصوتين فغضب معبد لما سمع الصوت الأول وقال : قد كرهت أن آخذ هذا الغلام فيتعلم غنائي فيدعيه لنفسه ، فقال له : حمزة لا تعجل أو اسمع غناء صمعه ليس من شأنك ولا غنائك وأمره أن يغني الصوت الآخر فأطرق معبد ، فقال له حمزة والله لو انفرد هذا لضاهاك ثم تزايد مع الأيام وكلما كبر زاد ، شخت أنت ونقصت ، فلأن يكون منسوباً إليك أجمل ، فقال له معبد وهو منكسر : صدق الأمير فأمر حمزة لمعبد بخلعه من ثيابه وجائزة حتى سكنت نفسه ، فقال مالك على رجله فقبل رأس معبد وقال له : يا أبا عباد أساءك ما سمعت مني ؟ والله لا أغني لنفسي شيئاً ابداً ما دمت حياً ، وإن غلبتني نفسي فغنيت في شعر أستحسنه لا نسبته إلا إليك ، فطب نفساً وارض عني فقال له معبد : أوتفعل هذا وتفي ؟ قال : إن شاء الله وأزيد ، فكان مالك بعد ذلك إذا غنى صوتاً وسئل عنه قال : هذا لمعبد ما غنيت لنفسي شيئاً قط وإنما آخذ عناء معبد أو أنقله إلى الأشعار وأحسنه وأزيد فيه وأنقص .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.