2069


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


روي أن الرشيد (هارون الرشيد) هب ليلة من نومه فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريب من الأرض فركبه ، وخرج في دراعة وشي متلثماً بعمامته وشي متلحفاً بإزار وشي ، بين يديه أربعمائة خادم أبيض سوى الفراشين ، وكان مسرور الفرغاني جريئاً عليه لمكانه عنده ، فلما خرج من باب القصر قال : أين يريد أمير المؤمنين في هذه الساعة ؟ قال : ادت منزل الموصلي ، قال مسرور : فمضى ونحن معه وبين يديه حتى نتهى إلى منزل ابراهيم الموصلي ، فخرج فتلقاه وقبل حافر حماره وقال له : يا أمير المؤمنين : في مثل هذه الساعة تظهر ! فقال : نعم شوق لك طرق بابي ، ثم نزل فجلس في طرف الديوان وأجلس ابراهيم ، فقال له ابراهيم : يا سيدي أتنشط لشيء تأكله ؟ فقال : نعم خاميز ظي (نوع من الطعام) فأتى به كأنما كان معداً له ، فأصاب منه شيئاً يسيراً ، قال ابراهيم : أو أغنيك أم تغنيك إماؤك ؟ فقال : بل الجواري ، فخرج جواري ابراهيم فأخذن صدر الديوان وجانبيه ، قال : أيضربن كلهن أم واحدة ؟ قال : تضرب إثنتان اثنتان وتغني واحدة فواحدة ، ففعلن ذلك حتى مرَّ صدر الدوان وأحد جانبيه والرشيد يسمع ولا ينشط الشيء من غنائهن إلى أن غنت صبية من حاشيته :

يا موري الزند قد أعيت قوادحه = اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم = إذا نظرت فلم أبصرك في الناس

فطرب لغنائها واستعاد الصوت مراراً ، ثم سأل الجارية عن صانعه فأمسكت ، فاستدناها فتقاعست ، فأمر بها فأقيمت حتى وقفت بين يديه فأخبرته بشيء أسرته إليه فدعا بحماره فركبه وانصرف ثم التفت إلى ابراهيم فقال (ممازحاً) : ما ضرك إلا أن تكون خليفة ! فكادت نفسه أن تخرج حتى دعابه وأدناه بعد ذلك ، قال : وكان الذي خبرته به الجارية أن الصنعة في الصوت لأخته علية بنت المهدي وكانت الجارية لها وجهت بها إلى ابراهيم يطارحها (الإلحان فغار الرشيد) .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.