2077


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان صاعد (بن الحسن بن عيسى البغدادي) بين يدي المنصور بن أبي عامر (من حكام الأندلس) فأحضرت إليه وردة في غير وقتها لم يستتم فتح ورقها فقال صاعد مرتجلاً :

أتتك أبا عامر وردة = يذكرك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر = فغطت بأكمامها رأسها

فسر بذلك المنصور وكان بن العريف حاضراً فحسده وقال لابن أبي عامر : هذان البيتان لغيره ، وقد أنشدنيها بعض البغداديين لنفسه بمصر وهما عندي على ظهر كتاب بخطه ! فقال المنصور : أرنيه فخرج ابن العريف وركب وحرك دابته حتى أتى مجس ابن بدر وكان أحسن هل زمانه بديهة فوصف له ما جرى فقال هذه الأبيات ودس فيها بيتي صاعد :

غدوت إلى قصر عباسة = وقد جدل النوم حراسها
فألقيتها وهي في خدرها = وقد صرع السكر أناسها
فقالت : أسار على هجمة = فقلت : بلى فرمت كأسها
ومدت يدها إلى وردة = يحاكي لك الطيب أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر = فغطت بأكمامها رأسها

فسار ابن العريف بها وعلقها على ظهر الكتاب بخط مصري ومداد أشقر ودخل بها على المنصور فما رآها اشتد غيظه على صاعد وقال للحاضرين : غداً أمتحنه فإن فضحه الامتحان أخرجته من البلاد ولم يبق في موضع لي عليه سلطان ، فلما أصبح وجه إليه فأحضر وأحضر الندمان فدخل بهم إلى المجلس ، وقد أعد فيه طبقاً عظيماً فيه شقائق مصنوعة من جميع النواوير ، ووضع على السقائف لعب من ياسمين في شكل جواري وتحت السقائف بركة ماء قد ألقي فيها اللالي مثل الحصباء وفي البركة حسة تسبح فلما دخل صاعد ورأى الطبق قال له المنصور : إن هذا يوم إما أن تسعد فيه معنا وإما أن تشقى فيه عندنا لأنه قد زعم أن كل ما تأتي به دعوى وقد وقفت من ذلك على حقيقة وهذا طبق ما توهمت أنه حضر بين يدي ملك قبلي شكله فصفه بجميع ما فيه فقال صاع بديهة :

أبا عامر هل غير جدواك وأكف = وهل غير من عاداك في الأرض حائف
يسوق إليك الدهر كل غريبة = وأعجبت ما يلقاه عندك واصف
وشائع نور صاغها هامر الحيا = على حافتيها عبهر ورفارف
ولما تناهى الحسن فيها تقابلت = عليها بأنواع الملاهي الوصائف
كمثل الظباء والمستكنة كنسا = تظللها بالياسمين السقائف
وأعجب منها أنهن نواظر = إلى بركة ضمت إليها الطرائف
حصاها الللآلي سابح في عبابها = من الرقش مسموم الثعابين زاحف
ترى ما تراه العين في جنباتها = من الوحش حتى بينهن السلاحف

فاسغربت له يومئذ تلك البديهة في مثل هذا الوضع وكتبها المنصور بخطه وكان إلى ناحية من تلك السقائف سفينة فيها جارية من النوار بمجاديف من ذهب لم يرها صاعد فقال له المنصور : أحسنت إلا أنك أغفلت ذكر المراكب والجارية فقال للوقت :

وأعجب منها غادة في سفينة = مكللة تصبوا إليها المهاتف
إذا راعها هوج من الماء تتقي = بسكانها ما أنذرته العواصف
متى كانت الحسناء ربان مركب =  تصرف في عين يديها المجادف
ولم ترعيني في البلاد حديقة = تنقلها في الراحتين الوصائف
ولا غرور إن ساقت معاليك روضة =  وشتها أزاهير الربا والزخارف
إذا قلت قولاً أيدته بديهة =  فكلني له إني لمجدك واصف

فأمر له المنصور بألف دينار ومئة ثوب ورتب له في كل شهر ثلاثين ديناراً والحقة بالدماء .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.