2081


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال عبد الله بن مالك : كنت أتولى الشرطة للخليفة المهدي (محمد) وكان يبعث إليَّ في ندماء ولده الهادي (موسى) أن أضربهم وأحبسهم صيانة للهادي عنهم ، فيبعث إليَّ الهادي يسألني الرفق بهم والتخفيف من أمرهم ، فلا التفت إلى ذلك ، وأمضى لما يأمر به المهدي فلما ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلف ، فبعث إليَّ يوماً ، فحضرت ودخلت عليه متكفناً متحنطاً ، وإذا هو جالس على كرسي والنطع والسيف بين يديه ، فسلمت عليه فقال : لا سلم الله عليك ، تذكر يوماً بعثت إليك في امر الحراني لما أمر أمير المؤمنين بضربه ، فلم تجبني ؟ وفي فلان وفلان وجعل يعدد ندماءه ، قلت : نعم يا أمير المؤمنين أفتأذن لي أن أتكلم؟ قال : نعم قلت : أنشدتك الله ! أيسرك أنك وليتني ما ولاني بوك وأمرتني بأمر ، فبعث إليَّ بعض ولدك بأمر يخالف أمرك فاتبعت أمره وعصيت أمرك ؟ قال : لا ، فقلت : فكذلك أنا لك ، وكذلك كنت لأبيك ، فاستدناني ، فقبلت يده ، فأمر بخلع أفيضت عليَّ وخرجت من عنده ، وصرت إلى منزلي مفكراً في أمره وأمري وقلت في نفسي ، قد يحدث القوم بالأمر الذي عصيته فيه ، وندماؤه وكتابه فكأني بهم قد أزالواه عن رأيه وحملوه في أمري ما كنت أتخوفه ! قال : فإني لجالس وبين يدي خبز مشطور بكامخ (نوع من الأدم) وأنا أسخنه وأطعمه الصبية ، وإذا ضجة عظيمة حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وزلزلت من شدة وقع حوافر الخيل والدواب وكثرة الضوضاء فقلت : هاه ! والله قد جاء الأمر ، وإذا بالباب قد فتح وإذا الخدم قد دخلوا ، وإذا أمير المؤمنين الهادي في وسطهم ، فلما رأيته وثبت من مجلسي مبادراً فقبلت يده ورجله ، فقال لي : يا عبد الله ، إني فكرت في أمرك بعد انصرافك فقلت : قد يسبق ، إلى قلبك أني إذا جلست وحولي أعداؤك الذين أسأت إليهم أزالوا ما حسن من رأيي فيك ، فأقلقك ذلك وأوحشك ، ومنعك القرار ، فصرت إلى منزلك لأؤانسك ، وأعلمك أن الوحشة قد زالت عن قلبي ، فهات فأطعمني مما كنت تأكل ، وأفعل فيه ما كنت تفعل . حتى تعلم أن الوحشة قد زالت ، وقد تحرمت بطعامك ، وأنست بمنزلك ليزول خوفك ووحشتك ، فأدنيت منه ذلك الرقاق والسكرية (إناء صغير)التي فيها الكامخ ، فأكل ثم قال : هاتوا ما أحضرتموه لعبد الله في مجلسي ، فأدخلت بغال كثيرة موقرة دراهم وأطعمة وقال هذه استعن بها ، وهذه البغال أيضاً ، وقد وليتك ما كان أبي ولاك ثم انصرف ، وصرت بعد ذلك أعد من صنائعه (ذوي الخطوة لديه) .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.