2084


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


نزل جرير على عنبسة بن سعيد بن العاص (أحد أشراف بني أمية) بواسطة ولم يكن أحد يدخلها إلا بإذن الحجاج ، فلما دخل على عنبسة قال له : ويحك ! لقد غررت بنفسك ، فما حملك على ما فعلت ؟ قال : شعر قلته أعتلج في صدري ، وحاشت به نفسي ، وأحببت أن يسمعه الأميرة فعنَّفه وأدخله بيتاً في جانب داره ، وقال : لا تطلعن راسك حتى تنظر كيف تكون الحيلة لك ، ولم يلبث أن أتاه رسول الحجاج من ساعته يدعوه في يوم قائظ وهو قاعد على سرير وكرسي موضوع ناحية ، فقال عنبسة قعدت على الكرسي وأقبل إليَّ الحجاج يحدثني ، فلما رأيت تطلعه وطيب نفسه قلت : أصلح الله الأمير ! رجل من شعراء العرب قال فيك شعراً أجاد فيه ، فاستخفه عجبه به حتى دعاه إلى أن رحل إليك ودخل مدينتك من غير أن يستأذن له ، قال : ومن هو ؟ قلت : ابن الخطفي ، قال : وأين ؟ قلت : في المنزل ، قال : يا غلام ، فأقبل الغمان يتسارعون قال : صف لهم موضعه من دراك ، فوصفت لهم البيت الذي هو فيه ، فاطلقوا حتى جاءوا به ، وأدخل عليه وهو مأخوذ بضبعيه (عضديه) ثم رمى به في الخضراء فوقع على وجهه في الماء ، ثم قام يتنفش كما يتنفش الفرخ فقال له : هيه ! ما أقدمك علينا بغير إذننا ؟ لا أم لك ! قال : أصلح الله الأمير ، قلت : في الأمير شعراً لم يقل مثله أحد ، فجاش في صدري ، وأحببت أن يسمعه مني الأمير ، فأقبلت به إليك ، فتطلق الحجاج وسكن واستنشد ، فأنشده ، ثم قال : يا غلام : فجاءوا يسعون قال : عليَّ بالجارية التي بعث بها إلينا والي اليمامة ، فأتى بجارية بيضاء مديدة القامة ، فقال : إن أصبت في صفتها فهي لك ، فقال : ليس لي أن أقول فيها وهي جارية الأمير ، فقال : بلى فتأملها واسألها ، فقال : ما سمك ؟ فأمسكت ، فقال لها الحجاج خبريه ، فقالت : أمامة فأنشأ :

ودع أمامه حان منك رحيل =  إن الوداع لمن تحب قليل
مثل الكثيب تمايلت أعطافه = فالريح تجبر متنه وتهيل
هذي القلوب صواديا تيمتها =  وأرى الشفاء وما إليه سبيل

فقال الحجاج : قد جعل الله لك السبيل إليها فخذها فهي لك ، فضرب بيده إلى يدها فتمنعت عليه فقال :

إن كان طبكم الدلال فإنه = حسن ولا لك يا أمام جميل

فاستضحك الحجاج وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة وكانت من أهل الري واكن إخواتها أحراراً فاتبعوه وأعطوه حتى بلغوا عشرين ألفاً فلم يقبل ففي ذلك يقول :

إذا عرضوا عشرين ألفاً تعرضت =  لام حكيم حاجة هي ما هيا
لقد زدت أهل الري عندي مودة =  وحببت أضعافاً إلي المواليا

فأولدها حكيماً وبلالاً وحزرة .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.