2098


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


روى ورقاء الجنفي قال : خرجت من الكوفة أريد بغداد فلما صرت إلى أول خان نزلته (الخان من أسماء الفنادق) بسط غلماننا وهيئوا غذائهم ولم يجيء أحد بعد ، إذ رمانا الباب برجل فاره البرذون (طويل) حسن الهيئة فصحت بالغلمان ، فأخذوا دابته ، فدفعها إليهم ودعوت بالغداء ، فبسط يده غير محتشم وجعلت لا أكرمه بشيء إلا قبله ، ثم جاء غلمانه بعد ساعة في ثقل سري وهيئة حسنة ، فتناسبنا (ذكر كل منا نسبه) فإذا الرجل طريح بن اسماعيل الثقفي فلما ارتحلنا ارتحلنا في قافلة غناء لا يدرك طرفاها ، فقال لي : ما حاجتنا إلى زحام الناس ، وليست بنا إليهم وحشية ولا علينا خوف ! نتقدمهم بيوم فيخلوا لنا الطريق ونصادف الخانات فارغة ونودع أنفسنا إلى أن يوافوا ، قلت : ذلك إليك ، قال فأصبحنا الغذ فنزلنا الخان فتغدينا وإلى جانبنا نهر ظليل ، فقال : هل لك أن تستنقع ؟ فقلت له : شانك فلما سرى ثيابه (ألقاها) إذا يبين عصعصه إلى عنقه ذاهب وفي جبينه أمثال الجردان فوقع في نفسي منه شيء فنظر إلي ففطن وتبسم ثم قال : قد رأيت ما ذعرك مما رأيت وحديث هذا إذا سرنا العشية إن شاء الله أحدثك به ، فلما ركبنا قلت : الحديث ! قال : نعم قدمت من عند الوليد بن يزيد بالدنيا أبادر الطائف فلما امتدي بي الطريق وليس يصحبني فيه خلق عنَّ لي أعرابي (ظهر) على بعير له فحدثني فإذا هو حسن الحديث ، وروي لي الشعر فإذا هو راوية وأنشدني لنفسه فإذا هو شاعر فقلت له : من أين أقبلت ؟ قال : لا أدري ، قلت : فأين تريد ؟ فأخبر قصة يخبر فيها أنه عاشق لمرئية قد أفسدت عليه عقله وسترها عنه أهلها وجفاه أهله فإنما يستريح إلى الطريق ينحدر مع منحدريه ويصعد مع مصعديه قلت فأين هي ؟ قال : غداً ننزل بإزائها فلما نزلنا أراني ظرباً (أي رابية) عن يسار الطريق فقال لي : أترى ذلك الظرب ؟ قلت أراه ، قال : فإنها بمسقطه فأدركتني أريحية الشباب فقلت أنا والله آتيها برسالتك ، قال : فخرجت وأتيت الظرب وإذا بيت حريد (لوحده منتحي عن الناس) وإذا فيه امرأة جميلة ظريفة فذكرته لها ، فزفرت زفرة كادت أضلاعها أن تتساقط ، ثم قالت : حي هو ؟ قلت : نعم تركته عند رحلي وراء هذا الظرب ونحن بائتون ومصبحون قالت : بأي أرى لك وجهاً يدل على خير فهل لك في الأجر ؟ قلت : فقير والله إليه ، قالت : فالبس ثيابي وكن مكاني ودعني حتى آتيه وذلك مغير بأن الشمس فقلت : أفعل قالت : إنك أظلمت أتاك زوجي في هجمة من إبله (الهجمة أولها أربعون فما زادت) فإذا بركت أتاك فقال : يا فاجرة يا عنتاه (أي هذه) فوسعك شتماً فأوسعه صمتاً ثم يقول : اقمعي سقاءك (القمع وضع القمع وهو المحقان في فم السقاء) فضع القمع في هذا السقاء حتى يحقن فيه وإياك وهذا الآخر فإنه واهي الأسفل قال : فجاء ففعلت ما أمرتني به ثم قال : اقمعي سقاءك فحين (وفقني) الله فتركت الصحيح وقمعت الداهي فما شعر إلا واللبن بين رجليه فعمد إلى رشاء (حبل) من قد مربوع فثناه باثنين فصار علي ثمان قوي ثم صار لا يتقي مني رأساً ولا رجلاً ولا جنباً فخشيت أن يبدو له وجهي فتكون الأخرى فألزمت وجهي الأرض فعمل بظهري ما ترى .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.