2107


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


جلس عبد الله بن جعفر يوماً عند عبد الملك بن مروان فحدثه عن أقلال أبي عتيق وكثرة عياله فأمره عبد الملك أن يبعث به إليه فأتاه ابن جعفر فأعلمه بما دار بينه وبين عبد الملك وبعثه إليه فدخل ابن أبي عتيق على عبد الملك فوجده جالساً بين جاريتين قائمتين تميسان (تتبختران) كغصى بان بيد كل جارية مروحة تروح بها عليه مكتوب بالذهب في المروحة الواحدة :

إنني أجلب الريا = ح وبي يلعب الخجل
وحجاب إذا الجيد = ب ثنى الرأس للقبل
وغياث إذا النديـ = ـم تغنى أو ارتجل

وفي المروحة الأخرى :

أنا في الكف لطيفة = مسكني قصر الخليفة
أنا لا أصلح إلا = لظريف أو ظريفة
أو وضيف حسن القدر = شبيه بالوصية

قال ابن أبي عتيق فلما نظرت إلى الجاريتين هونتا الدنيا علي وانستاني سوء حالي ثم قلت إن كانتا من الإنس فما نساؤنا إلا من البهائم فلما كررت بصري فيهما تذكرت الجنة فإذا تذكرت امرأتي وكنت محبالها تذكرت النار وبدأ عبد الملك يتوجع لي بما حكى له ابن جعفر عني ويخبرني بما لي عنده من جميل الرأي فأكذبت له كل ما حكاه ابن جعفر عني ، ووصفت له نفسي بغاية الملا والجدة (الغنى) فامتلأ عبد الملك سروراً بما ذكرت له وغماً يتكذب ابن جعفر فلما عاد إليه ابن جعفر عاتبه عبد الملك على ما حكاه عني وأخبره ما حلَّيت له نفسي فقال : كذب والله يا أمير المؤمنين إنه أحوج أهل الحجاز إلى قليل فضلك فضلاً عن كثيره ثم خرج عبد الله فلقيني فقال : ما حملك أن كذبتني عند أمير المؤمنين ؟ قلت أفكنت تراني وقد أجلسني بين شمس وقمر ثم أتفاقر عنده ! لا والله ما رأيت ذلك بنفسي وإن رأيته لي فلما أعلم بذلك عبد الله بن جعفر عبد الملك بن مروان قال : فالجاريتان له قال ابن أبي عتيق فلما صارتا إليّ زرت عبد الله بن جعفر فوجدته قد امتلأ فرحاً وهو يشرب وبين يديه عسٌّ فيه عسل ممزوج بمسك وكافور فقال : مهيم ؟ (كلمة استفهام) قلت والله قد قبضت الجاريتين قال : ما شرب فتناول العس فجزعت منه جزعاً فقال : زد فأبيت فقال لجارية عنده تغنيه إن هذا قد حزم اليوم غزالتين من عند أمير المؤمنين فخذي من نعمتهما فحركت الجارية العود ثم غنت :

عهدي بها في الحي قد جردت = صفراء مثل المهرة الضامرة
قد حجر الثدي على نحرها = في مشرف ذي بهجة ناضرة
لو أسندت ميتاً على صدرها = قام ولم ينقل إلى قابره
حتى يقول الناس مما رأوا = ياعجبا للميت الناشره

فلما سمعت الأبيات طربت ثم تناولت العس فشربت عللاً بعد نهل ورفعت عقيرتي أغني :

سقوني وقالوا لا تغني ولو سقوا = جبال حنين ما سقوني لغنت


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.