2110


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


جلست جميلة (مولاة بني سليم) يوماً للوفادة عليها ، وجعلت على رؤوس جواريها شعوراً مسدلة كالعناقيد إلى أعجازهن وألبستهن أنواع الثياب المصبغة ، ووضعت فوق الشعور التيجان وزينتهن بأنواع الحلي ، ووجهت إلى عبد الله بن جعفر تستزريه ، وقالت لكاتب أملت عليه : بأبي أنت وأمي ! قدرك يجل عن رسالتي ، وكرمك يحتمل زلتي ، وذنبي لا تقال عثرته ، ولا تغفر صوبته ، فإن صفحت فالصفح لكم معشر أهل البيت يؤثر ، والخير والفضل كله فيكم مدخر ، ونحن العبيد وأنتم الموالي ، فطوبى لمن كان لكم مجاوراً ، وبعزكم قاهراً وبضيائكم مبصراً ، والويل لمن جهل قدركم ولم يعرف ما أوجبه الله على هذا الخلق لكم ، فصغيركم كبير ، بل لا صغير فيكم ، وكبيركم جليل بل الجلالة التي وهبها الله عز وجل للخلق هي لكم ، ومقصورة عليكم ، وبالكتاب نسألك ، وبحق الرسول ندعوك إن كنت نشيطاً مجلس هيأته لك ، لا يحسن إلا بك ، ولا يتم إلا معك ، ولا يصلح إلا أن ينقل عن موضعه ، ولا يسلك به طريقه . فلما قرأ عبد الله الرسال قال : إنا لنعرف تعظيمها لنا وإكرامها لصغيرنا وكبيرنا ، وقد علمت أنها قد آلت ألية (أقسمت) ألا تغني أحداً إلا في منزلها ، وقال للرسول : والله قد كنت على الركوب إلى موضع كذا ، وكان في عزمي المرور بها ، فأما إذا وافق مرادها فإني جاعل بعد رجوعي طريقي عليها ، فلما صار إلي بابها أدخل بعض من كان معه إليه وصرف بعضهم ، فنظر إلى ذلك الحسن البارع والهيئة الباذة (الفائقة) فأعجبه وقع من نفسه فقال : يا جميلة قد أتيت خيراً كثيراً ! ما أحسن ما صنعت ! فقالت : يا سيدي إن الجميل للجميل يصلح ، ولك هيأت هذا المجلس ، فجلس عبد الله بن جعفر ، وقامت على رأسه الجواري صفين فأقسم عليها فجلست غير بعيد ، ثم قالت : يا سيدي ألا أغنيك ! فقال : بلى ! فغنت :

بني شيبة الحمد الذي كان وجهه = يضيء ظلام الليل كالقمر البدر
كهولهم خير الكهول ونسلهم = كنسل الملوك لا يبور ولا يجري
أبوكم قُصيٌّ كان يدعي مجمعاً = به جمع الله القبائل من فهر

فقال عبد الله : أحسنت يا جملية ! بالله أعيديه عليّ فأعادته فجاء الصوت أحسن من الارتجال ، ثم دعت لكل جارية بعود وأمرتهن بالجلوس على كراسي صغار قد أعدتها لهن ، فضربن ، وغنت عليهن هذا الصوت ، وغنى جواريها على غنائها ، فلما ضربن جمعاً قال عبد الله : ما ظننت أن مثل هذا يكون ! وإنه لما يفتن القلب ، ثم دعا ببغلته وانصرف إلى منزله وكانت جميلة أعدت طعاماً كثيراً فقال لأصحابه : تخلفوا للغداء وانصرفوا مسرورين .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.