2112


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان عروة بن الورد العبسي إذا أصاب الناس سنة شديدة (جدب) تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف (يرحلون عنه ويتركونه) وكان عروة بن الورد يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدة ، ثم يحفر لهم السرداب ويكنف عليهم الكنف (الحضائر من الشجر) (أي يكسب لهم ويعيشهم) ومن قوي منهم أما المريض يبرأ من مرضه ، أو ضعيف تثوب إليه قوته ، خرج بع معه فأغار ، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيباً ، حتى إذا أخضب كل الناس والبونا (توفر لديهم اللبن) وذهبت السنة الحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من الغنيمة إن كانوا غنموا فربما أتى الإنسان أهله وقد استغنى (يا له من محسن كريم!) فلذلك سمي عروة الصعاليك فقال في تلك السنين وقد ضاقت حاله :

لعل ارتيادي في البلاد وبغيتي = وشدي حيازيم المطية بالرحل
سيدفعني يوماً إلى رب هجمة = يدافع عنها بالعقوق وبالبخل

وإن الله عز وجل قيض له وهو مع قوم هُلَّاك عشيرته في شتاء شديد ناقتين دهماوين فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم و ضعفاءهم على الأخرى وجعل يتنقل بهم من مكان إلى آخر (للقارئ أن يتصور هذا المنظر ؟!) وكان بين النقرة والربذة (النقرة لا تزال معروفة على طريق الحج الكوفي والربذة كذلك معروفة شرق المدينة المنورة) فنزل بهم ما بينهما بموضع يقال له ماوان (قرية معروف الآن) ثم إن الله عز وجل قبض له رجلاً صاحب مئة من الإبل قد فرَّ بها من حقوق قومه وذلك أول ما ألبن الناس ، فقلته وأخذ إبله ومرأته وكانت من أحسن النساء فأتى بالإبل أصحاب الكنيف ، فحلبها لهم وحملهم عليها حتى إذا دنوا من عشيرتهم أقبل يقسمها بينهم وأخذ مثل نصيب أحدهم ، فحلفوا عليه وقالوا : لا نرضى حتى تجعل المرأة نصيباً فمن شاء أخذها (ياللؤم) فجعل يهم بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم ، ثم يذكر أنهم صنيعته ، وأنه إذا فعل ذلك أفسد ما كان يصنع فأفكر طويلاً ثم أجابهم إلى أن يرد عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله ، فابوا ذلك عليه ، حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه فقال عروة في ذلك قصيدته التي أولها :

ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم = كما الناس لما أمرعوا وتمولوا
وإني لمدفوع إليَّ ولاؤهم = بماوان إذ نمشي وإذ نتململ
وإني وإياهم كذى الأم أوهنت = له ماء عينيها تفدي وتحمل
فباتت بحد المرفقن كليهما = توحوح مما نالها وتولول
تخير من أمرين ليسا بغبطة = هو الثكل إلا أنها قد تحمل


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.