2113


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


حدَّث إسحاق بن ابراهيم الموثلي قال : غدوت يوماً وأنا أضجر من ملازمة دار الخلافة والخدمة فيها ، فخرجت وركبت بكرة وعزمت على أن أطوف الصحراء وأتفرج ، فقلت لغلماني : إن جاء رسول الخليفة أو غيره فعرفوه أني بكرت في بعض مهماتي ، وأنكم لا تعرفون أين توجهت ومضيت وطفت ما بدا لي ، ثم عدت وقد حمي النهار فوقفت في الشارع المعروف بالمحترم في فناء ثخين الظل وجناج رحب على الطريق لأستريح ، فلم ألبث أن جاء خادم يقود حماراً فارها عليه جارية راكبة تحتها منديل ودبقي (منسوبإلى ديبق) وعليها من اللباس الفاخر مالا غاية بعدها ورأيت لها قواماً حسنا وشمائل حسنة ، فخرصت أنها مغنية فدخلت الدار التي كنت واقفاً عليها ، ثم لم ألبث أن جاء رجلان شابان ، فاستأذنا فأذن لهما ، فنزلا ونزلت معهما ودخلت ، فظنا أن صاحب الدار دعاني ، ظن صاحب الدار أني معهما ، فجلسنا وأتي الطعام فأكلنا وبالشراب فوضع ، فخرجت الجارية وفي يدها عود فغنت ، وقمت قومة فسأل صاحب المنزل الرجلين عني ، فأخبراه أنهما لا يعرفاني ، فقال : هذا طفيلي ولكنه ظريف ، فأجملوا عشرته ، وجئت وجلست ، وغنت الجارية في لحن لي ، فأدته أداء صالحاً ، ثم غنت أصواتاً شتى ، وغنت في أضعافها من صنعتي :

الطلول الدوارس = فارقتها الأوانس
أوحشت بعد أهلها = فهي قفر يابس

فكان أمرها فيه أصلح منه في الأول ، ثم غنت أصواتاً من القديم والحديث وغنت في أثنائها من صنعتي :

قل لمن صدَّ عاتباً = ونأي عنك جانباً
قد بلغت الذي أرد = ت وان كنت لاعباً

فكان أصلح ما غنته فاستعدته منها لأصححه لها ، فأقبل عليَّ رجل من الرجلين وقال : ما رأيت طفيلياً أصفق وجهاً منك ! لم ترض بالتطفيل حتى اقترحت وهذا غاية المثل (طفيلي مقترح) فأطرقت ولم أجبه وجعل صاحبه يكفيه عني فلا يكف ، ثم قاموا للصلاة وتأخرت قليلاً فأخذ عود الجارية ثم أصلحته إصلاحاً محكماً وعدت إلى موضعي فصليت وعادوا ثم أخذ ذلك الرجل يغني وأنا صامت ، ثم أخذت الجارية العود فجسته وأنكرت حاله ، وقالت : من مس عودي ؟ قالوا : ما مسه أحد ، قالت : بلى ، والله لقد مسه حاذق متقدم وأصلحه متمكن من صناعته ، فقلت لها : أنا أصلحته ، فقالت : فبالله خذه واضرب به ، فأخذته وضربت به مبدأ ظريفاً عجيباً صعباً ، فيه نقرات متحركة فما بقي أحد منهم إلا وثب على قدميه وجلس بين يدي . وقالوا : يا سيدنا أتغني ؟ فقلت : نعم وأعرفكم بنفسي أنا إسحاق بن ابراهيم الموصلي ووالله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبني ، وأنتم تسمعونني ما أكره منذ اليوم لأني نزلت بكم ! فوالله لأنطقت بحرف ولا جلست معكم . حتى تخرجوا هذا المعربد المقيت الغث ، فقال له صاحبه : من خذا حذرت عليك فأخذ يعتذر ، فقلت والله لأنطقت بحرف ولا جلست معكم حتى يخرج فأخذه بيده وأخرجوه وعادوا ، فبدأت وغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي ، فقال لي الرجل : هل لك في خصلة ؟ قلت : ما هي ؟ قال : تقيم عندي شهراً والجارية والحمار والخادم فجئت بذلك إلى منزلي وركبت إلى المأمون من وقتي فلما رآني قال : اسحاق ! ويحك ! أين تكون ؟ فأخبرته بخبري فقال : علي بالرجل الساعة فدللتهم على بيته فأحضر فسأله المأمون عن القصة فأخبره وأمر له بمئة ألف درهم وأمر لي بخمسين ألف درهم وقال : أحضر لي الجارية فأحضرتها فغنته فقال لي : قد جعلت لها نوبة كل ثلاثاء تغنيني من وراء الستر مع الجواري وأمر لها بخمسين ألف درهم فربحت والله بتلك الركبة .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.