2116


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال يونس الكاتب كنا يوماً متنزهين بالعقيق أنا وجماعة من قريش فبينا نحن على حالنا إذا أقبل ابن عائشة (محمد بن عائشة) يمشي ومعه غلام من بني ليث ، وهو متوكئ على يده فلما رأى جماعتنا وسمعني أغني جاءنا فسلم وجلس إلينا وتحدث معنا وكانت الجماعة تعرف سوء خلقه وغضبه إذا سئل أن يغني فاقبل بعضهم على بعض يتحدثون بأحاديث كثير وجميل وغيرهما من الشعراء يستجرونه بذلك لعله أن يطرب ويغني فلم يجدوا عنده ما أرادوا فقلت لهم لقد حدثني اليوم بعض الأعراب حديثاً يأكل الأحاديث فإن شئتم حدثتكم إياه ، قالوا : هات قلت : حدثني هذا الرجل أنه مر بناحية الربذة (قرية شرق المدينة) فإذا صبيان يتغاطسان بغدير وإذا شاب جميل منهوك الجسم عليه أثر العلة والنحول جسمه بين وهو جالس ينظر إليهم ، فسلمت عليه فرد علي السلام وقال : من أين وضح الراكب ؟ (من أين أتى) قلت : من الحمى قال : ومتى عهدك به ؟ قلت : رائحاً قال وأين مبيتك ؟ قلت ببني فلان قال : أواه ! وألقى بنفسه على ظهره وتنفس الصعداء فقلت : إنه خرف قلبه ثم أنشأ يقول :

سقى بلداً أمست سليمي تحلة = من المزن ما يروي به ويسيم
وإن لم أكن من قاطنيه فإنه = يحل به شخص علي كريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربه = لدي وإن شط المزار نعيم
ومن لامني فيه حميم وصاحب = فرد بغيظ صاحب وحميم

ثم سكن كالمغشي عليه فصحت بالصبية فأتوا بماء فصببته على وجهه فأفاق وأنشأ يقول :

إذا الصب الغريب رأى خشوعي = وأنفاسي تزيَّن بالخشوع
ولي عين أضربها التفاني = إلى الأجزاع مطلقة الدموع
إلى الخلوات يأنس فيك قلبي = كما أنس الغريب إلى الجميع

فقلت له ألا انزل فأساعدك أو أكر عودي على بدئي إلى الحمى إن كان لك فيه حاجة أو رسالة ؟ فقال : جزيت خيراً وصحبتك السلامة ! إمض لطيتك فلو علمت أنك تغنى شيئاً لكنت موضعاً للرغبة وحقيقاً بإسعاف المسألة ولكنك أدركتني في صبابة من حياتي يسيرة فانصرفت وأنا لا أراه يمسي ليلته إلا ميتاً فقال القوم : ما أعجب هذا الحديث واندفع ابن عائشة فتغنى بالشعرين جميعاً وطرب ولم يزل يغنينا إلى أن انصرفنا .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.